فهرس الكتاب

الصفحة 17611 من 23694

وكما كان الحب- في رأيه- جزءًا من النبوة، والحب في مرتبة النبوة الصغيرة، كذلك كان عذاب الحب نارًا أو جنة صغيرة، يقول:"ولا شيء في الدنيا غير الحب يستطيع أن ينقل إلى الدنيا نارًا صغيرة وجنة صغيرة، بقدر ما يكفي عذاب نفس واحدة أو نعيمها! وهذه حالة فوق البشرية..." (83) ذلك أن عذاب الحب إن اشتد فهو موت، بيد أن هذا الموت"لا ينقل من الدنيا إلى الآخرة، بل من نصف الدنيا إلى نصفها الآخر..." (84) .

وعلى هذا فلا يمكن للإنسان أن يجمع بين همّ الحب وهمّ الحياة (85) ، وربما كان همُّ الحياة الذي عناه الرافعي فرعًا عن هم الحياة.

لكنْ ألا نلمح في مفهوم الرافعي للحب نوعًا من تعذيب النفس؟ ربما اتخذ من آلام الحب وعذابه سبيلًا للوصول إلى هدف ما، ولعل هذا الهدف الذي تأمل من أجله الكون وعبر عن مفهومه للحب وفلسفته الألم والعذاب، كان الوصول إلى معنى الألوهية، لذا جعل المحب في مرتبة النبوة الصغيرة، وجعل الحب كالجنة والنار، أو ربما هدفه معرفة نفسه، ومن ثم معرفة خالق الكون.

إن الحب الصحيح- في رأيه- لا يكون إلا عذابًا، يقول:"كلمة الحب الصحيح الذي قول للمبتلى به: تعذب لتعرف كيف تتخيل السعادة وتتمناها، كذلك تراني لا أحب إلا لثلاث: لأعرف وأحسَّ وأتخيل، ولا أهلك بالحب إلا لثلاث: لأوجد في نفسي، وأبقى في نفسي، وأضمُّ نفسًا إلى نفسي" (86) ، فهو يؤكد حاجته للمرأة ولإكمال نقصه، فالإنسان عندما يحب فإنه، في الحقيقة، يبحث عمن يعطيه الكمال، إنه يريد أن يوجد نفسه، وأن يبقى في نفسه، لأن في هذا البقاء استقرارًا لنفسه وهدوءًا لعواطفه. وفي مكان آخر يرى أنه أحب ليتعذب، وتعذب ليتصل بمعنى نفسه، واتصل لينفذ منها إلى طرف من معنى الألوهية. وإن أردت الاختصار- كما يقول- قلت لك:"إنه أحب ليتأله" (87) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت