فهرس الكتاب

الصفحة 17610 من 23694

إن الرافعي يُظهر إعجابه بذاته، ويريد جعل المرأة تابعة له، فإن لم يكن هذا في الواقع، فليكن في الحلم، لأنه انعكاس للواقع، وهو توهم ذاتي خاص به من تجربته الشخصية في الحب. يقول:"كم من عاشقة متكبرة على من تهواه تصده وتباعده، وهي في خلواتها ساجدة على أقدام خياله، تمرغ وجهها هنا وهنا على هذه القدم وعلى هذه القدم.." (77) .

ولئن غلبها الحب وأكرهها الوجد على أن تكون البادئة، ولم تجد من الرجل جوابًا فإن هذا الابتداء يكون نهاية الحب، كما يرى الرافعي، وينقلب الحب عدو الحب (78) . فسلاح المرأة هو الكتمان عن محبوبها، لأنها تخاف أن تفقد كرامتها، إذا لم تجد استجابة من الرجل. يقول الرافعي:"وأنا أعرف امرأة وضعتها كبرياؤها في مثل هذه الحالة، وقالت لصاحبها: سأتألم، ولكن لن أغلب! فكان الذي وقع- واأسفاه- أنها تألمت حتى جنت، ولكن لم تغلب..." (79) .

ترى أهذه إشارة خفية إلى ملهمته مي زيادة، التي دخلت المصحة بتهمة الجنون؟! ربما، وإذا صح هذا الظن فإن ما يقوله الرافعي عن حب المرأة وكتمانها هو من تأثير علاقته بمي، وهو ما يدل على أنه كان يتصور أنها تحبه، ولكنها كانت تخفي حبها له.

إن صدّ المحبوب وعزوفه عن المحب ينتج عنه ألم الحب الذي يأتي على اللحم والدم، وهذا الألم لو تجسم لكان هو الذي يصهر الحديد في موج من لهب النار، ويحطم الصخرة في زلزلة من ضربات المعاول (80) .

وأوجاع المحب وأحزانه هي كآلام الفريسة وأوجاعها، كلاهما بالغ السلبية في الحبيبة والمفترس (81) ، لأن الحب"قد ضرب بيننا وبين الحقائق بسور ظاهره فيه الرحمة، وباطنه من قبله العذاب" (82) . وربما كان تصوير الرافعي لهذا العذاب إفصاحًا عن ألم دفين، وربما كان هذا ألم الصمم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت