ولعل ما يرجح ما قلناه هو أن المرأة بالنسبة إليه هي الروح الخارجة عن المحب، جعلتها القدرة الإلهية يراها بعد ضياع، وتحاول هذه الروح الدخول في نفس المحب من غير أن تتمكن من ذلك، ويراها المحب روحه الخارجة عنه، ويحاول ردها إليه، ولكنه لا يستطيع، لأنها جسم آخر، ولا بد من أن تكون فيه (14) .
وطبيعة الحب عند الرافعي تجعل المرأة كائنًا إلهيًا لا تتحقق العبودية من غيره، فالمرأة صورة سماوية إلهية تجسد الفن الإلهي الخالد، والعبودية لله وحده، إنما هي فكر الروح في مبدئها واتصالها به، وإن كان في الأرض عبودية شريفة فهي للحب وحده (( والعبودية للحب الصحيح مبدأ العبودية الصحيحة لله ) ) (15) .
وهكذا تصبح العبودية للمرأة المحبوبة أول الطريق إلى الله، وكأن المحبوبة كائن إلهي فوق الرجل، وكأن الرافعي يصور نفسه في هذا الكلام، ذلك أن كتب الحب التي ألفها كانت، في أغلب الأحيان من وحي امرأة جمعته بها جلسة أو جلستان، ثم يكون الانقطاع، فالمرأة مصدر إلهام، ومحرض جمالي يصوغه عقله ويجعله فوق المادة ويكشف عن صلته بالله عز وجل. فالمحب مع محبوبه دائمًا، لأنه في ذاته يراه أينما توجه، ويبصره دائمًا أمام عينيه وكأنه محدود به، يقول: (( فلو أنني طفت العالم كله لرأيته من حولي أينما كنت، وأبصرت وجهك دائمًا أمام عيني، كأني محدود بك في حدود تدعك حيث أنت، وتمضي معي حيث أكون ) ) (16) .
وقد اقترب الرافعي في كلامه هذا من معنى ابن الفارض في قوله (17) :
تراه إن غاب عني كلُّ جارحة في كل معنى لطيف رائق بهج
في نغمة العود والناي الرخيم إذا تألّقَا بين ألحان من الهَزَجِ...
لم أدر ما غربةُ الأوطان وهو معي وخاطري أين كنّا غيرُ منزعج