فهرس الكتاب

الصفحة 17596 من 23694

الحب عند الرافعي حب عقلي فلسفي، يبتعد عن المادية، وهو بذلك مصدر الإبداع الفني (18) ، وهو طريق فهم الجمال الطبيعي، إذ يجعل المحب ينتقل من تأمل جمال المحبوب إلى تأمل جمال الطبيعة، فيدرك ما يحيط بالأشياء من جمال ينبثق في نفسه (( نور إلهي خالق يفيض على كل جمال في الأرض والسماء، ما يجعل هذا الجمال من إدراكه أو حسه بسبب قريب ) ) (19) ، وتحيط نفسه العاشقة بجمال الخليقة ما دام في نفسه الحب، كما تحيط العين بالأفق، فتحويه ما دام في العين البصر. فالحب وسيلة لإبصار جمال الطبيعة ولإدراكه واتساع آفاقه في النفس، ذلك أن الحب محرض على التصاعد نحو الجمال الأمثل، ولا يكون الحب ماديًا إلا في أسفل درجاته، ومن هنا فإن النظر الإنساني لا يمكن أن يعلو أو يتسامى إلا إذا أُلبس معناه الإلهي (20) .

إن الفكر الصوفي واضح فيما سبق، فكثيرًا ما أفضى الحب إلى التأله، ذلك أن الحب الصحيح من الأمور التي توصل إلى الله عز وجل، يقول الرافعي: (( والذي قدر عليه الحب لا يكون قد أحب غيره أكثر مما قد تعلم كيف ينسى نفسه في غيره، وهذا كما هي أعلى درجات الحب، فهي أعلى مراتب الإحسان ) ) (21) . فالحب أعلى مراتب الإحسان، والإحسان كما في الحديث الشريف: [... أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ] (22) ، فلربما عنى هنا محبة الله، ذلك أن الحب الصادق من شأنه تطهير النفس، حيث يكون بادئ الأمر فكريًا خالصًا، ثم يتحول إلى التطهير الأخلاقي، ثم تتحول هذه الفكرة عبر التأمل والانعزال إلى التوحد بالمحب والعبودية له، وهي مرحلة من طبيعة الحب، كما هي من طبيعة الدين، وهذا ما يجعل الحبيبة -كما يرى الرافعي- تحيط بروح العاشق من ثلاث وجهات (( ولم يبق لهذا العاشق سوى الجهة التي تتصل روحه منها بيد الله ) ) (23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت