وإذا كنا لا نستطيع أن نرجِّح ذلك في شعر أبي قيس بن الأسلت فإن الأمر يختلف عنه مع الشاعر كعب بن مالك، الذي تبنى قضية الدعوة الإسلامية، والتزم بمبادئها، وأمضى حياته في المنافحة عنها، وعن النبي عليه السلام، وأدرك من المفاهيم الإسلامية الشيء الكثير. ونستطيع أن نعده أول شاعر إسلامي أشار إلى مفهوم"الأمة"، الديني والاجتماعي، ومن وجهة النظر الإسلامية، إذ وجد في النبي عليه السلام الرجل العظيم، الذي تمكن من توحيد قبائل العرب وأحيائها في كيان جديد، هو الأمة، فهو يقول عنه (21) :
لَمَّ الإلهُ بهِ شَعْثًَا، وَرَمَّ بهِ
أمورَ أُمَّتِهِ، والأمرُ منتشرُ (22) .
وهذا البيت ينطوي على أكثر من دلالة، أوّلها أن النبي عليه السلام هو الإنسان الوحيد، الذي اختاره الله من بين خلقه، ليكون عماد هذه الأمة، وأن اجتماع أشتات الناس في أمة واحدة هو إرادة إلهية، تحققت بفضل النبي عليه السلام، وثاني هذه الدلالات أن هذه الأمة الجديدة منسوبة إليه، لأنه جاء بدين، فيه مقومات الوحدة والاجتماع على الحق والخير، فتحددت بذلك وجهتهم المثلى في الحياة، بعد أن كانوا شيعًا متفرقة. والدلالة الثالثة: هي أن أمر هذه الأمة واجتماعها في كيان واحد لا يقتصر على الفترة التي شهدت بداية الدعوة، وقيام النبي على أمرها، وإنما هو مستمرٌّ لا يتوقف، مادام هذا الدين ينتشر بين الناس، ويبلغه حاملوه إلى أمم الأرض.
وتجلى المفهوم الإسلامي الجديد لكلمة"الأُمَّة"في رجز شاعر فارسٍ مسلم، افتخر بصنيع الحارث بن الصِمَّة (23) البطولي، وبوفائه لعقيدته ودينه، والقيام بالمهمة التي أوكلها النبي عليه السلام إليه مع أصحابه، فقال (24) :
يا رب إن الحارثَ بنَ الصمَّهْ
أهلُ وفاءٍ، صادقٍ، وذِمَّهْ
أقبلَ في مَهَامِهٍ، مُلِمَّهْ
في ليلةٍ ظلماءَ، مُدْلَهِمَّه (25) .
يسوقُ بالنبيِّ هاديْ الأُمَّهْ