فهرس الكتاب

الصفحة 17569 من 23694

ومما لاشك فيه أن الشاعر أبا قيس سلك مسلك الشاعر الجاهلي (زهير بن أبي سلمى) ، في كرهه للحرب، وتنفيره الناس منها، ودعوته إلى السلام والوئام (20) . وفضلًا عن هذا يحذر أبو قيس القرشيين من شر البغي، بعضهم على بعض، وظلم ذوي قرباهم. وهو يعني بذلك النبي عليه السلام، وأصحابه من القرشيين، فهو لا يجد فيما يدعو إليه النبي أمرًا يستحق العقاب، لأنه لا يدعو إلا إلى الخير و الحق والهدى. وما يفعله القرشيون ضده قد يقود إلى التباغض، وسلّ السيوف، وقيام الحرب الذميمة، التي لا تأتي على شيء إلا أهلكته، وحسبها شرًا أنها تهلك الأمة، أو تترك فيها صدعًا يهدد وحدتها، ويضعفها زمنًا طويلًا.

على أننا لا نريد أن نحمل الأبيات أكثر مما تحتمل من التأويل، ولا ريب أن الشاعر لم يكن يعي تمامًا ما أصبحت توحي به كلمة"الأمة"عند المسلمين فيما بعد. ولا يتعدى قصد الشاعر قريشًا، والقبائل المحيطة بها، وربما قصد بالأمة القبائل العربية كافة، ونحن نميل إلى ذلك، لأن نظرة أبي قيس لم تكن بدافع العصبية لقريش أو لغيرها، وإنما هي عصبية لكل العرب، ولكل إنسان يحب أن يعيش في سلامٍ وأمن، وإلا لما عاتب قريشًا هذا العتاب، وتَلَوَّمَ فعلها على هذا النحو. ولا يمكننا أن نرجح استفادة الشاعر من مفاهيم إسلامية عن"الأمة"، كما أننا لا ننفي ذلك مطلقًا، فربما كان قد ترامى إلى سمعه بعضٌ من آيات القرآن الكريم، أو أحاديث النبي عليه السلام، عن الأمة الواحدة، وعن مبادئ الإسلام التي تدعو إلى الوحدة الدينية، ونبذ العصبيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت