كانت غربة أسامة في الزمان قد بلغت شأوًا عميق الغور في نفسه، فلما جاءه خبر الزلازل، وما فعلته في شيزر، استيقظ حنينه إلى أمكنتها، وراح يكتب القصائد، عل الشعر يصالح بصوره ولوحاته بين أسامة ومعاندة الزمان والمكان لنفسه التائقة إلى الطمأنينة، ولكنه في لجوئه إلى القصيدة كان كالمستجير من الرمضاء بالنار. ولم تفلح في مؤازرته وهو على هذه الحال، سوى مشاركته في العمل السياسي والعسكري من جديد بمستوى رفيع، عزز قربه من نور الدين زنكي (ت569هـ) ، وجعل مثقفي عصره ومؤرخيه يدونون اسمه في صفحات موسومة بالعز والبطولة، ومن ذلك مايورد معاصره عز الدين بن الأثير في كتابه"الكامل في التاريخ"، فيقول:"ثم دخلت سنة سبع وخمسين وخمسمئة.. في هذه السنة جمع نور الدين محمود ابن زنكي صاحب الشام العساكر بحلب وسار إلى قلعة حارم، وهي للفرنج غربي حلب فحصرها وجد في قتالها.. وممن كان معه في هذه الغزوة مؤيد الدولة أسامة بن مرشد بن منقذ الكناني وكان من الشجاعة في الغاية" (28) . ... وساءني ضعف رجلي واضطراب يدي
سادسًا: المرحلة السادسة:
تقدمت السن بأسامة في خلال إقامته في حصن"كيفا"في ديار بكر، وبدأ وهن الشيخوخة يدب في أوصاله، وأصابت سهامه من نفسه مقتلين عزيزين أثيرين لديه، طالما تغنى بهما مفتخرًا متطاولًا، وهما: فروسيته وأدبه، فراح يكني عن الفروسية الغائبة بما تركته بين يديه من إمكانات جسدية معطلة عن تجديد أمجادها الغابرة، وقد عبر عن عجزه عن الكتابة التي يرود ميادينها بأنامل مرتعشة، فقال في ذلك (29) :
"مع الثمانين عاث الدهر في جلدي"
إذا كتبت فخطي جد مضطرب ... كخط حطم مرتعش الكفين مرتعد
فاعجب لضعف يدي عن حملها قلما ... من بعد القنا في لبة الأسد"."