عاد أسامة إلى دمشق بعد عقد زمني حافل بالأحداث الممنطقة بمغامرات سياسية خطيرة، انتهت إلى تهشيم أحلام أسامة، بعد أن أكسبتها النجاحات العسكرية والسياسية أمجادًا مادية ومعنوية رفعت مكانته الاجتماعية، وكادت تنسيه جرح انسلاخه القديم عن مغاني طفولته وشبابه في شيزر. وها هو ذا من جديد مكبل يرزح تحت نير النكبات، فقد ترك مصر غارقة بالفتن، وتعرض في طريقه لعدوان فرنجي أسر فيه أخوه، ثم نكبت السفينة التي حملت أسرته وخزائن كتبه، فنهبها الفرنجة قرب سواحل عكا ناكثين بوعد كانوا قد قطعوه لحمايتها. إنه صفر اليدين إلا من أحزان تولد في نفسه حنينًا مبهمًا إلى زمان نشأته الأولى في شيزر، حتى إذا ضربتها الزلازل بعد ثلاث سنوات من مغادرته القاهرة وصل ذلك الحنين إلى ذرا تعاند حركة الزمن مرجعة عرباته إلى عهود قديمة، ماتزال كؤوسها ترن في مخيلة أسامة ووجدانه، فينسج في إحدى قصائده لوحة فريدة لغلبة حنينه على الزمان، يقول (26)
"حمائم الأيك هيجتن أشجانا"
كم ذا الحنين على مر السنين؟ أما ... أفادكن قديم العهد نسيانا""
كانت حال أسامة قبل الزلازل ـ التي ضربت شيزر سنة 552 هـ ـ تئن بالشكوى والمرارة، لاضطراب زمانه عند خروجه من مصر، كما يعبر في قصائده، ومنها قصيدة كتبها في حلب، يقول فيها (27) : ... أنزه عن شكوى الخطوب لساني
"ولا تسأليني عن زماني فإنني"
ولكن، سلي عني الزمان فإنه ... يحدث عن صبري على الحدثان""