انتهت إقامة أسامة في مصر بفتن واضطرابات سلبته ثروته الكبيرة وأودت بحكم حلفائه، مبدلة بزمان هناءته السابقة ورغد عيشه العزيز، زمانًا جديدًا مثقلًا بالهموم والمعاناة والمفاسد. يصف أسامة أحد أيام ذلك العهد الجديد بقوله:"كان ذلك اليوم من أشد الأيام التي مرت بي لما جرى فيه من البغي القبيح الذي ينكره الله تعالى وجميع الخلق" (23) .
إن هذا اليوم القبيح لم يأت مفاجئًا، فقد سبقته أحداث كثيرة أثرت في نظرة أسامة إلى مكان إقامته في مصر، فعبر في شعره عن غربته عنه، وشعوره بالعداء إزاءه، وهو يقابله بالمكان القديم الأليف الأثير لديه، في ثنائية تسم أسلوبه في عرض الأمكنة التي رادها في حياته ضمن نوعين: أليف ومعاد، فتحضر مرابع طفولته في شيزر على ضفاف نهر العاصي رمزًا للمكان الأليف الذي يحن إليه وهو يعاني صروف الدهر في الأمكنة التي يتنقل بينها من بلد إلى بلد، يقول في شعره (24) :
"يامصر مادرت في وهمي ولا خلدي"
ما أنت أول أرض مس تربتها ... جسمي، ولا فيك أوطاني وأوطاري"."
تعبر المقابلة بين مصر وأول أرض مس تربتها جسم الشاعر، أي بلدته شيزر الأثيرة لدى قلبه، عن تلك الثنائية التي يمكن تتبعها في شعره ونثره وهو يصف الأمكنة التي تنقل بين ربوعها في حياته، فإذا هي في نهاية المطاف موزعة بين مكانين: ... فليبك أصدقنا بثًا وأشجانا
أ ـ مكان معاد يسبب الأذى ويبعث القلق.
ب ـ مكان أليف عامر بالمودة والطمأنينة.
إن حديث أسامة عن أول أرض مس تربتها جسمه، يتكرر في غير نص من نصوص أدبه الشعري والنثري، معبرًا عن تعلقه بمرابع طفولته في شيزر التي دهمتها الزلازل وخربتها عام 552 هـ بعد ثلاث سنوات من مغادرته مصر، وقد كتب في مقدمة كتابه"المنازل والديار"الذي عبر فيه عن معاناته لما أصابها:"دعاني إلى جمع هذا الكتاب، مانال بلادي وأوطاني من الخراب، فإن الزمان جر عليها ذيله.. هي أول أرض مس جلدي ترابها" (25) .
خامسًا: المرحلة الخامسة: