فهرس الكتاب

الصفحة 17542 من 23694

إن أسامة الضائع والتائه في مفازات منفاه ينتقل بين دمشق وصلخد معانيًا تخبط الحكام والمتنفذين ووقوعهم في أسر أهوائهم ونزاعاتهم الداخلية، بينما الفرنجة تنتظم خيولهم متوعدة بالمزيد من التنكيل، وفي هذا التنقل تزداد الهوة بين قدميه والمكان، فتأتي لفظتا"انتسابي وانتمائي"، في البيتين السابقين في سياق رد فعل نفسي وسم وجدانه في هذه المرحلة، فهام يتشبث بحبال من أوهام، نسج خيال أسامة من خيوطها لوحة رؤيته لمعين الدين أنر. ومن الملاحظ أن ذلك كله أثر في حجم نتاجه الأدبي، فكان شحيحًا قليلًا، حمل سمات هذه المرحلة وطوابعها. ... ولا أجالتك خلواتي بأفكاري

رابعًا: المرحلة الرابعة:

كانت سنوات إقامة أسامة في مصر منعمة، غمرته بالجاه والخيرات بدرجة لا عهد له بها من قبل، يقول في كتابه"الاعتبار": أقمت بها مدة في إكرام واحترام وإنعام متواصل وإقطاع زاج" (21) . وتقدمت مكانته في الحياة السياسية والاجتماعية، فبات من أقرب الناس إلى أصحاب النفوذ في الدولة والمجتمع، وهاهو ذا يعبر عن ذلك بقوله:"

"من كان في مصر يقدر أن يركب بسرج ذهب في أيام الحافظ، غيري" (22) . لكن هذه الحال لم تدم طويلًا مع أسامة، فسرعان ما اضطر لترك الحياة الهانئة في القاهرة لتنفيذ سفارة سياسية عسكرية، عندما أوفد بعهد الخليفة الظافر ـ الذي جلس على كرسي الخلافة بعد وفاة أبيه الخليفة الحافظ ـ للقاء نور الدين زنكي في الشام والسعي لديه في توحيد المواجهة العسكرية للفرنجة على الجبهتين المصرية والشامية، ويفصل أسامة ما عاناه في هذه السفارة متحدثًا في كتابه"الاعتبار"عن المعارك التي شارك في تنظيمها وقيادتها في هذه المرحلة، وانعكست مؤثراتها في قصائده التي كتبها عن مقاومة الفرنجة بأسلوب يبدل بنبرة الانكسار والضياع التي سادت في أدبه في المرحلة السابقة، شعورًا زاهيًا بالفخر، عامرًا بالحماسة والثقة بالنفس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت