هذا الموقف الثنائي من المكان، سيقود أسامة إلى العودة إلى شيزر والمشاركة في الدفاع الباسل عنها ضد الغزاة والأعداء، محققًا الفكرة الإنسانية الخالدة التي تجعل الإنسان مستعدًا للدفاع الماجد عن أمكنته الأليفة المحبوبة، يقول غاستون باشلار في تمييز مثل هذه الأمكنة في الأدب:"القيمة الإنسانية لأنواع المكان الذي يمكننا الإمساك به، والذي يمكن الدفاع عنه ضد القوى المعادية، أي المكان الذي نحب" (18) .
ثالثًا: المرحلة الثالثة:
يصف الباحث حسن عباس انتقال أسامة إلى دمشق بقوله:"خرج أسامة من شيزر منفيًا طريدًا سنة 532 هـ" (19) . وهذا الفهم لحالة أسامة في زمان ومكان محددين مفيد في دراسة سلوكه وحياته، وتذوق دلالات المنفى في أدبه، فإذا أضفنا إلى ذلك أن المكان الذي قادته إليه خطا النفي مضطرب بفتن سياسية وصراعات اجتماعية حادة، تبدى لنا شيء من بواعث شعور أسامة بالانكسار والضياع اللذين تجليا في قصائده صورًا معبرة عن فقده الإحساس بأمان الانتماء، بعد أن فقد شيزر وربوعها، وانسلخ زمانها من يديه، فتركهما نهبًا لرياح المجهول التي لم يجد أسامة في ساحاتها ملجأ يلوذ به أو جدارًا يستند إليه، ومن هنا يبرز إلحاحه على فكرة الانتساب والانتماء في شعره، فيقول: مخاطبًا معين الدين أنر أحد حكام دمشق في تلك المرحلة (20) :
"فصار إلى مودتك انتسابي"
ألم تعلم بأني لانتمائي ... إليك رمى سوادي كل رام"."