ج ـ فرقة إخوان الصبا، وما يحملون من المشاعل التي تكشف في زوايا نفسه ذكريات خبيئة طربة بالبشر والتواريخ والأمكنة.
هذا الدمج بين المكان ـ الدار، والبشر ـ الوالد وإخوان الصبا، ذو دلالات عميقة الغور في التكوين النفسي للشاعر، وقد اهتم النقد الحديث بالدلالات المنبثقة عن العلاقة الأصيلة بين الأمكنة والبشر في كل صورة أدبية للمكان، يعبر غاستون باشلار عن مثل تلك الدلالات بقوله:"إن المكان الذي ينجذب نحوه الخيال لا يمكن أن يبقى مكانًا لا مباليًا، ذا أبعاد هندسية وحسب، فهو مكان قد عاش فيه بشر" (16) .
تصبح المساحة التي ابتعدت بأسامة عنه مكانه الأليف مكانًا معاديًا، وإذا كان المكان القديم مصدر ولادة وخصب وحياة، فالدروب التي سلخته عنه بيد جرداء (تشقى الركاب بها) يقول (17) .
كم دون ربعك مهمه متفاذف
مل السرى فيه الصحاب فعرسوا ... والشوق يوضع بي إليك ويعنق"."
تختار ريشة الشاعر من الواقع صورًا محددة تتقابل فيها الأمكنة تقابلًا يعبر عن دلالاتها في وجدانه، ومن هنا تترادف كلمتا المهمه والبيد معبرتين عن مكانين معاديين، يقابلان مكانًا أليفًا هو ربع الأحبة وذوي القربى، يسرع الشاعر إليه بشوق وكأن الربع مكان محبوب عامر بالقيم الإنسانية، وما يبتعد بالشاعر عنه مصدر عداء خال من أسباب الحياة عاجز عن توفير شروط الطمأنينة، وبذلك يمكن ملاحظة نوعين من الأمكنة في القصائد التي كتبها أسامة في هذه المرحلة: ... على أني العظامي العصامي
أ ـ أمكنة أليفة محبوبة، تمثلها شيزر وربوعها العامرة بالألفة وذكريات الطفولة.
ب ـ أمكنة معادية تبعث الشعور بالبوار والشقاء، تمثلها المسافات التي تبتعد به عن شيزر.