فهرس الكتاب

الصفحة 17539 من 23694

فارق أسامة بن منقذ مرابع الطفولة ومغاني الشباب، ورحل إلى الموصل، فكان ذلك بداية فراقه المكان الأليف الذي احتضن نشأته وأحاطه بالرعاية والحنان. ولعل صلة شيزر بذكريات الطفولة مبعث صور فنية عميقة الدلالات في أدب أسامة ولاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن إقامته الجديدة في الموصل عجزت عن تعويضه شيئًا مما افتقده من العلاقات الحميمة التي كانت عامرة بينه وبين ذويه، فالموصل مكان جديد بالنسبة إليه، يلقي على منكبيه الغضين مهمات عسكرية جسيمة، يشاركه في أدائها مقاتلون يثير بعضهم ريبته، ولا يجد في سلوك من حوله تجسيدًا لقيمه وفضائله السامية. في هذا الجو كتب أسامة قصائد جميلة بعث فيها سلافًا رائقًا من ذكريات ماضيه وأمكنتها، وهي سمة أولاها النقد الأدبي الحديث مكانة رفيعة في الفكر الأدبي الذي اهتم بالتأثير الكبير لمرحلة الطفولة والنشأة في المنجز الأدبي للأدباء. يقول غاستون باشلار:"المكانية في الأدب هي الصورة الفنية التي تذكرنا أو تبعث فينا ذكريات بيت الطفولة، ومكانية الأدب العظيم تدور حول هذا المحور" (14) .

يذكر أسامة في شعره تأثير ابتعاده عن داره في نفسه، هذه الدار المرتبطة بذكريات بيت الطفولة تستدعي في شعر أسامة ذكر الأقرباء والأصدقاء موحدة بين البشر والأمكنة بمزاج انفعالي يفيض جوى، يقول أسامة في قصيدة أرسلها من الموصل إلى أبيه في شيزر (15) :

"بهم تباريح أشواقي إليك وما"

أما كفاهم نوى داري وبعدك عن ... عيني وفرقة إخوان الصبا الصدق"."

إن حزن أسامة في البيت الأول من المقتبس السابق، يقوم على فراق يبعده عن مكانه الأليف الذي يعادله فنيًا في البيت الثاني بثلاثة من أبرز عناصره وهي: ... تشقى الركاب به، وبيد تملق

أ ـ نوى الدار، بما توحيه من احتضان طفولته وتكوين الملاذ والملجأ لنفسه القلقة في مكان إقامته الجديد في الموصل.

ب ـ بعد الوالد، بما يمثله من تلبية حادبة على استيقاظ الطفولة الخبيئة في نفس الشاعر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت