فهرس الكتاب

الصفحة 17537 من 23694

ب ـ خصوصية مثل هذه المرحلة في التكوين النفسي للإنسان عمومًا وللأديب خصوصًا، فالأمكنة الأولى التي تدرج فيها خطاه ترسم في خزين الذاكرة محملة بالدلالات الراسخة لحركة الزمان وأفعاله، وأدب أسامة يبدى احتفاء مناسبًا بالتعبير عن الأمكنة المرتبطة بشيزر ومرحلة نشأته فيها، وهذا الاحتفاء ينسجم مع عمل البنية النفسية للأديب في استعادته لمكونات طفولته ونشأته الأولى. يقدم الناقد الفرنسي المعاصر غاستون باشلار في كتابه"جماليات المكان"بحثًا قيمًا عن مثل هذه الاستعادة في الإبداع الأدبي، يقول الأديب غالب هلسا مترجم الكتاب في تقديمه له:"البيت القديم، بيت الطفولة، هو مكان الألفة، ومركز تكييف الخيال. وعندما نبتعد عنه نظل دائمًا نستعيد ذكراه" (8) .

كانت سنوات طفولة أسامة ونشأته في شيزر غنية بأحداثها، عززت صلته بأمكنتها وبزمان وجوده فيها، ومن أبرز القضايا المتعلقة بتلك النشأة:

أ ـ حياة الطفولة وما تمنح الإنسان من طمأنينة في منازلها، وقد أصبحت هذه الطمأنينة المفتقدة في حياة أسامة اللاحقة مصدرًا لشجن متعلق بفقد المنزل والبيت الأليف كان يتسرب إلى شعر أسامة ونثره برموز قريبة الدلالة مثل: الدار والجيران وماشابه، حتى إذا دهمت شيزر الزلازل المعروفة فيما بعد، اتضحت مكانة منازل الطفولة في النفس، وراح أسامة في تقديمه لكتابه"المنازل والديار"، يصرح بأن تلك البيوت التي درج فيها طفلًا، تبعث في نفسه بواعث الحزن على الفقد من جهة، ودوافع تأليف الكتاب من جهة أخرى، فيقول عن شيزر:"أول أرض مس جلدي ترابها، فما عرفت داري، ولا دور والدي وإخوتي، ولا دور أعمامي وبني عمي وأسرتي، فبهت متحيرًا مستعيذًا بالله من عظيم بلائه" (9) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت