فهرس الكتاب

الصفحة 17478 من 23694

وليس من شك في أن هذا التشجيع كان من أهم الأسباب في ازدهار الحركة العلمية والفكرية، إذ كان من يبزغ نجمه في الحلقات لايلبث أن يستدعى إلى مقر الخلافة أو دار الولاية أو دور الوزراء، فإذا العطايا تنهال عليه وإذا الرواتب تفرض له شهريًا. وقد اتسعت في ذلك الحين صنعة الوراقة، وهي تشبه في هذا العصر الطباعة والنشر، وقد مضى العلماء حينئذ يفيدون منها، فاتخذوا لأنفسهم ورّاقين ينقلون عنهم كتبهم ويذيعونها في الناس. وكان مما دفع لرواج الوراقة تنافس كثيرين على اقتناء الكتب واتخاذ المكتبات، وقد أقامت الدولة منذ عصر الرشيد مكتبة ضخمة هي"دار الحكمة"عُنيت فيها أشد العناية بالكتب المترجمة التي تحمل كنوز الثقافات الأجنبية، ولا ريب في أن هذه المكتبة كانت جامعة كبرى لطلاب العلم والمعرفة. في هذا المناخ الثقافي المؤاتي أخذ كثيرون من الأفراد يعنون باقتناء المكتبات، وكانوا يوظفون فيها بعض الورّاقين للنسخ، من ذلك مكتبة اسحق بن سليمان العبّاسي، وكانت تمتلئ بالكتب والأسفاط والرقوق والقماطير والدفاتر والمساطر والمحابر22-، وأضخم منها وأعظم مكتبة يحيى بن خالد البرمكي، إذ قيل إنه لم يكن في مكتبته كتاب إلاّ وله ثلاث نسخ23-، وربما فاق هذه المكتبة عظمًا وضخامة مكتبة الواقدي المؤرّخ المشهور (المتوفى سنة 207هـ/786م) ، وكانت تشتمل على ستمائة صندوق مملوءة بالكتب24-، وكان له مملوكان يكتبان ليلًا ونهارًا25-. الأمر الذي يدلّ دلالة أكيدة على الأهمية القصوى، التي كان يولاها العلم والمعرفة والاطلاع على تجارب الأمم والثقافات الأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت