والظاهرة الثانية تتمثّل بنشوء طائفة من العلماء والأدباء الذين نوّعوا معارفهم تنويعًا واسعًا، إذ كانوا يختلفون إلى جميع الحلقات آخذين بطرف من كل لون من ألوان المعرفة حتى أصبحوا مثقفي عصرهم، الذين يستطيعون التحدّث حديثًا شائقًا في كل صور المعرفة والثقافة. وكانت لهم حلقاتهم، التي يسوقون فيها من الجدال والحوار في أيّ شيء يعنّ لهم. وكانت لهم حظوة في مجالس الخلفاء والوزراء وعلية القوم. ولعلنا لا نتعدّى الحقيقة إذا قلنا إنّ ظهور هذه الطائفة وما حظيت به في المجتمع العبّاسي هو الذي جعل الجاحظ وغيره يحوّلون كتبهم الأدبية إلى دوائر معارف واسعة، فاستقرّ في الأذهان أنّ الأدب هو الأخذ من كل علم وفن بطرف.
وإذا كان الخلفاء ووزراؤهم قد أغدقوا على هذه الفئة كثيرًا، فإنهم لم يحرموا شريحة العلماء المتخصصين، بل كثيرًا ما كانوا يضفون عليهم عطاءاتهم الجزيلة، وجاراهم في ذلك الولاة وكبار القادة وكان أول من سنَّ ذلك وجعله تقليدًا للدولة المهدي فإنه أكثر من مكافآته للعلماء كثرة جعلتهم يشدّون إليه الرحال من كل أنحاء الدولة، وتبعه في ذلك ابنه الرشيد. وكان المأمون سحابة عطاء وبذل للعلماء والفلاسفة والمتكلمين.