فهرس الكتاب

الصفحة 17475 من 23694

وكانت الثقافة الفارسية الشعبية أبعد تأثيرًا في المحيط العربي لهذا العصر، فقد دخل الفرس في الإسلام واقتبس العرب كثيرًا من أساليبهم في المطعم والملبس وبناء القصور وتنظيم إدارة الدولة وترتيب الخدم والحشم، وآداب السلوك بين أيدي الملوك والرؤساء.

وكانوا يحتفلون معهم بأعيادهم، ويحكون عنهم قصصهم عن رستم واسفنديار وأخبارهم عن ملوكهم وحكمائهم (مثل بزرجمر) . وكانت المجوسية ظلت حيّة بمعابد نيرانها ونحلها المختلفة من زرادشتية ومانوية ومزدكية، وماكانت تجتمع عليه هذه النحل من ثنويه أو اعتقاد بأنّ للعالم إلهين: إلهًا للنور وإلهًا للظلمة. وقد أصبح بعض العرب ثنويًا مانويًا على نحو ماكان صالح بن عبد القدوس وكان تأثير المزدكيّة في المجتمع العبّاسي أشدّ عمقًا وانتشارًا، ممّا يتوقعه المرء لتركيزها على مبادئ العدل الاجتماعي، والحث على المساواة والثورة على الظلم والاستعباد والاضطهاد، إضافة إلى ماقيل عن تساهلها في الميدان الاجتماعي وحياة اللهو والتمتع بالملذّات و (ربمّا أنّ هذه المسألة تهمة يراد منها النيل من المزدكية اجتماعيًا وقيميًا وتنفير العامّة من دُعاتها ومناصريها) .

ويرى عدد من الدارسين والمؤرخين أنّ تلاقحًا واسعًا حدث بشكل خاص بين العناصر الإسلامية والمسيحية في المجتمع العبّاسي، حيث نشأ جيل كبير أمهاته من المسيحيات، حاملًا ثقافتهن وكثيرًا من طباعهن وعاداتهن وربما بعض معتقداتهن. وكان للمسيحيّة تأثير -من وجوه كثيرة- فقد كانت قبائل عربية كبيرة (مثل تغلب وطيء) على المسيحية؛ وكان مسيحيّو بغداد قد اختصوا بالصناعات المدنية الجديدة مندمجين في حياة الخلفاء والرعية؛ فمنهم كتّاب السلاطين وأطباء الأشراف والعطارون والصيارفة. وكان لقسم منهم دور عظيم بالترجمة من وإلى اللغات اليونانية والسريانية والعربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت