فهرس الكتاب

الصفحة 17474 من 23694

والحقيقة أنّ الغالبية المطلقة (إنْ لم نقل كل) من الثقافات العامة التي كانت مبثوثة في البلدان المفتوحة من أواسط آسيا إلى مشارف البرنس تحوّلت إلى العربية دون حاجة إلى ترجمة منظّمة لسبب طبيعي وهو أن شعوب هذه الثقافات تعرّبت، فكان طبيعيًا أن تتحول ثقافاتها وأن لاتنتظر إلى أن ينظّم لها النقل والترجمة. وأهم هذه الثقافات حينئذ الهندية والفارسية واليونانية. وكانت الثقافة الهندية تصل إلى العرب عندئذ من ثلاثة طرق: طريق الفرس وماسقط إليهم منها من قديم وطريق اليمن وجنوب الجزيرة العربية (حيث الصلات التجارية الكثيفة) وعن طريق من دخلوا منهم حديثًا في الإسلام واندمجوا في عرب العراق وسواحل الخليج والجزيرة العربية. ومعروف أن جمهور الهنود يدينون بالهندوسية، والبوذية.. وأطلق العرب عليهم لقب"سُمّنية"من حيث الاعتقاد بأنهم لايؤمنون بشيء سوى الحس. وقد شاعت لفظة"الدهرية"كوصف لهذه العقائد والملل. وقد ناظرهم قديمًا جهم بن صفوان (ت 128/745م رأس الفرقة الجهمية أو الجبرية) ، وظلّ المعتزلة على نحو مايصوّرهم الجاحظ في كتابه"الحيوان"يردّون عليهم ردًّا عنيفًا20-، وهو مايدلّ على اعتناق بعض العرب تلك الأفكار والتصوّرات والعقائد. وقد تحدّت الشهرستاني مطوّلًا بهذا الشأن في موسوعته"الملل والنحل". وقدّم البيروني (أبو الريحان أصله من خوارزم/ عالم فلكي ورياضي وطبيب ومؤرّخ) أوصافًا دقيقة لطقوس وشعائر وعقائد أقوام الهند في كتابه الرائع"تحقيق ماللهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة".

ومن الطبيعي أن تتبادل هذه العقائد والملل التأثير فيما بينها، وأن تتشابه في مواضع ومعتقدات وتصورات عديدة. ومن ذلك نشير إلى تأثر المانوية -مثلًا- بزهد البوذيين وطرقهم في الزهد وتحريمهم ذبح الحيوانات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت