وممّا يدلّ على المناخ الفكري والسياسي المتسامح في العهد العبّاسي أنّ وزراء مسيحيّين أُسندت إليهم مهمّات كبيرة، مثل عبدون بن صاعد، الذي يحكى أنه دخل على قاضي بغداد فقام له ورحّب به فأنكر الشهود ذلك7-. وكان للمتقي (940-944م) وزير مسيحي8- كما كان لأحد بني بويه وزير آخر (هو نصر بن هارون) . وقد نال أمثال هؤلاء المسيحيّين من أصحاب المناصب العالية ما ناله زملاؤهم المسلمون من الإكرام والتبجيل والعزّ. وقد نشر أخيرًا"براءة"منحها المكتفي9- سنة 1138م لحماية النساطرة. وهي توضح مدى العلاقات الوديّة بين رجال الدولة الإسلامية الاسميين وبين المسيحيين بعامّة. وقد كان رعايا الخلفاء العبّاسيين من المسيحيّين ينتمون بالأكثر إلى كنيستين (سريانيّتين) هما الكنيسة اليعقوبية والكنيسة النسطورية، وكانت أكثرية مسيحيي العراق من النساطرة فنال بطريركهم المعروف بالجاثليق10- حق السكنى في بغداد وجعلها مقرًّا لكرسيه. وقد نشأ حول مقر الجاثليق ببغداد المدعو بدير الروم11- حيٌّ للمسيحيّين عرف بدار الروم. وكان للجاثليق سلطة روحية على سبع أبرشيات أو مطرانيات منها أبرشية البصرة وأبرشية الموصل وأبرشية نصيبين. وكان المرشح المنتخب لمنصب الجثلقة يتسلّم من الخليفة"براءة"تسند إليه الزعامة الرسمية على مسيحيّيي الامبراطورية الإسلامية كلّها. وبالمقابل كان لليعاقبة دير ببغداد وأبرشية في تكريت غير بعيدة عن العاصمة. وقد أورد ياقوت12- أسماء نحو ستة أديرة من أديرتهم كانت في الجانب الشرقي من بغداد غير الأديرة التي قامت في الجانب الغربي.