وبهذا السياق يقول لويس غارديه: إنّ الجماعات غير المسلمة المرخّص لها العيش وسط أمّة النبيّ ظلّت ناشطة حتى القرن الثاني عشر للميلاد، وبعد ذلك انكمشت في وضع دفاع ذاتي: ففي القرن التاسع، وفي ظلّ السلطان الإسلامي، ظهرت دعوات قويّة إلى المزدويّة (أو المزدكّية) 3-؛ كما أن المناظرات الإسلامية المسيحية كانت ناشطة بتشجيع واضح من الخلفاء أنفسهم. ومن جهة أخرى استقبل نصارى ويهود وصابئة من ذوي الكفاية في عدد كبير من ندوات"العلوم الإنسانية"في مجالس الخلفاء، التي سيكون لها أثر قوي في إرساء أسس ممتازة لحوارات عقائدية غاية في الأهمية والتأثير والروعة. وقد أدخلوا فيها، بفعل ذلك، قدْرًا وفيرًا من تأثيرات ماضيهم الثقافي. وستحدث عملية تمازج ذي عنصر إسلامي مهيمن، ولكن دون إهمال للمصادر النصرانية واليهودية والحنيفية وغيرها4-.
وللتدليل على الطبيعة الانفتاحية للمجتمع الإسلامي -العبّاسي، يؤكّد لويس غارديه أنّ هذا المجتمع هو الذي خصّص اليهود في تجارة المعادن الثمينة ثم في الهيئات المصرفية، وكذلك كانت المهن الضرورية لحياة الحاضرة ميسّرة لليهود والنصارى.. وكانت أكثرية الأطباء من اليهود النصارى، وهي مهنة محترمة فتحت لهم صدور البيوت، بصرف النظر عن دين وعقيدة أصحابها (5) -.