وفيها تأثر العرب بالمعارف العملية التطبيقية عند الشعوب الأخرى، مما اضطرهم إلى التعمّق فيها من خلال إنشاء المدن وضبط الدواوين وعمل الأساطيل وإعداد الجيوش والنهوض بالزراعة والميكنة (فنون الحيل كما كان العرب يطلقون عليها) . واضطرمت المجادلات بين المسلمين والمسيحيين وغيرهم، وتعرّفوا عقائدهم وتصوّراتهم وطقوسهم وشعائرهم. ناهيك من تحوّل قسم كبير من أتباع تلك الديانات والعقائد إلى الإسلام بتراثهم العقيدي، بل تراثهم الثقافي والقومي والتاريخي.
وقد فصّل في هذه المسألة مؤرخون وباحثون كُثر، سواء من العرب أو من المستشرقين، نذكر منهم -على سبيل المثال- كارل بروكلمان ومؤلفه الشهير"تاريخ الشعوب الإسلامية"؛ لويس غارديه وكتابه"أهل الإسلام"؛ كلود كاهن وكتابه"تاريخ العرب والشعوب الإسلامية"؛ هاملتون جيب وكتابه"التاريخ الإسلامي في العصور الوسطى".. الخ. بالإضافة إلى مئات المؤلفات العربية والإسلامية بهذا الشأن.
مانودّ التركيز عليه هنا أننا أمام حضارة ذات خليط سكاني -ثقافي شديد التنوع- أحيانًا أمام انصهار حقيقي تحت الهيمنة الشرفية -على الغالب- للفاتحين المسلمين. ويتكوّن هذا المزيج من القبائل العربية العاربة والمستعربة والآرامية (السريان) والبيزنطيين والإيبيرايين خاصة، ثم الرفد الوفير من القبائل التركية والكردية، في المشرق، والبربر والإيبيريون والفاندال والفيزيغوت في الجناح الغربي. والعامل الارتكازي الأول، الذي يوحّد هذه الشعوب كلها، يتمثل في الإقرار الإجمالي بالسلطة المركزية -الإسلاميّة، وبالإسلام، كعقيدة دينية واجتماعية -ثقافية محورية.