وفي الوقت نفسه، وكنتيجة طبيعية لهذا الاختلاط الأممي الكبير شاع اللحن في العربية، وقد ساق الجاحظ في كتابه"البيان والتبيين"جملة من لكنات بعض الأعاجم، وهي لكنات مردّها إلى ماكان يجده نفر من صعوبة التكيف العضوي لمخارج الحروف العربية، التي لاتوجد في لغاتهم، إذ كان منهم من يبدل الراء غينًا والزاي والتاء والشين سينًا والعين همزة والقاف كافًا أو طاء والجيم زايًا أو ذالًا والحاء هاءً والصاد سينًا والظاء زايًا واللام ياءً. ولكن الفصحى ظلّت المثل الأعلى للناس في هذا العصر، وخاصة الطبقة المثقفة، وحتى غير المسلمين أو المؤمنين اتخذوها لسانهم وأدواتهم في التعبير، مما أحالها وعاءً كبيرًا لكل ما لقيته من ثقافات في البيئات الحضارية والاجتماعية والبشرية ومن معارف مختلفة متباينة، وهي معارف امتزجت فيها منذ فتوح الاسكندر عناصر شرقية بعناصر إغريقية مكوّنة مايسمّى بـ"الثقافة الهلّينيّة"، حيث إن زحوفه العسكرية شملت مصر وليبيا والشام والعراق وإيران وأفغانستان وشطرًا من بلاد الهند، وقد عُني بنشر الثقافة اليونانية في كل البلدان التي احتلها ومضى خلفاؤه الذين ورثوا ملكه على نهجه. وبذلك امتزجت هذه الثقافة بثقافات أمم كثيرة، فتكونت من هذا الامتزاج ثقافة جديدة فيها من فلسفة الإغريق المتشعبة، وفيها من ديانات الشرق وروحانياته وأساطيره ومعارفه الفلكية والطبية وغيرها. وكانت المراكز الثقافية الهلّينيّة قبل الإسلام مدارس مختلفة في الاسكندرية وقيسارية وأنطاكية والرها ونصيبين وحرّان وجند يسابور، فاتصلت الثقافة العربية بعد الإسلام، ولاسيما في العصر العباسي بكلّ هذا التراث وحدث تفاعل بينه وبين المعارف الإسلامية والآداب (الإسلامية) الجديدة، واتخذ هذا التفاعل صورًا كثيرة، منها الترجمة ونقل العلوم، مما سنتحدث حوله لاحقًا وبصورة أكثر تفصيلًا..