ونشير هنا إلى الفارسية، التي ظلّت حيّة، مزدهرة، لابين سكان إيران فحسب، بل أيضًا بين سكان المدن في العراق، الذي زحف إليه من عصر بني أميّة جموع كبيرة منهم، وازداد زحفهم في العصر العبّاسي الذي علا فيه سلطانهم. ويدل على ذلك من بعض الوجوه مايرويه الجاحظ عن قاص من قصّاص البصرة ووعاظها هو موسى الأسواري، إذ يقول:"كان من أعاجيب الدنيا، كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية، وكان يجلس في مجلسه المشهور به، فتقعد العرب على يمينه والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله ويفسّرها للعرب بالعربية، ثم يحوّل وجهه إلى الفرس فيفسرها لهم بالفارسية فلا يُدرى بأي لسان هو أبين"1-.
وقد تعلم كثير من العرب الفارسية وأتقنوها، حتى لنراها تدور في مجالسهم. وممّن اشتهر بإتقانه للفارسية الأصمعي العربي القحّ. ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا إنّ الفارسية شاعت على ألسنة كثيرين في الحياة اليومية لبغداد والكوفة والبصرة، وبسبب ذلك ولأنها كانت لغة الحضارة الفارسية دخل منها إلى العربية ألفاظ كثيرة، وخاصة مااتصل بأسماء الأطعمة والأشربة والأدوية والملابس، ودخل إلى العربية في هذا العصر بعض ألفاظ هندية وخاصة في أسماء النباتات والحيوانات، كما دخل بعض ألفاظ اليونانية وخاصة مااتصل باصطلاحات الفلسفة والطب وأسماء المقاييس والموازين والأمراض والأدوية (مثل القيراط والأوقية والقولنج) .
ولم تعد هذه الألفاظ والكلمات غزوًا للعربية، وكثيرًا ماكانت تعرّب بحيث تتفق واللسان العربي، وقد ألف العرب فيها مصنّفات كثيرة تمييزًا لها وتعريفًا بها. وبذلك اتسعت العربية بفضل هذا الاحتكاك الثقافي الواسع، وتحوّلت من لغة البدو القديمة إلى لغة حضارية مع المحافظة على مقوّماتها ومكوّناتها الأساسية وأوضاعها وأصولها الاشتقاقية والصرفية والنحوية2-.