بشير بن محمد ناجي فنصة، الذي توفي قبل ثلاثة أعوام، كان قد ولد في حلب عام 1917، وانغمس دون العشرين من عمره في العمل السياسي والصحفي، بدأ في جريدة الشعب الدمشقية، واستمر سكرتير تحرير أو رئيس تحرير أو مديرًا مسؤولًا في العديد من الصحف (البعث والشباب والنذير والتقدم وبرق الشمال وألف باء والأنباء) ، اضطهد ونفي وشرد، وعاصر فترة الانقلابات، وقد دفعه يأسه إلى اعتزال الصحافة والسياسة، وانصرف إلى العمل الأدبي، فأصدر عددًا من الأعمال: برج الصمت، قصة تاريخية (1975) -النوافذ المغلقة، قصة (1977) - كتب وأوراق منسية، مقالات وبحوث- رسالة الراح والأرواح (1981) - الظواهر الثورية، ترجمة عن الفرنسية، لجان بيشلر- النكبات والمغامرات، تاريخية (1996) .
ومن الواضح أن شخصية المؤلف وفكره وحياته السياسية والصحفية، قد انعكست تمامًا على الكتاب، من خلال النقد اللاذع للحياة السياسية وللصحافة والصحفيين، ومن خلال سيرة صديقه اليسراوي، وما عرض له من أفكاره وفلسفته في الجزء الأول من الكتاب، كما في الجزء الثاني أيضًا.
تعود الذاكرة بالكاتب عشرات السنين إلى الوراء، إلى مرحلة اليفاع، حين كان اليسراوي رجلًا شديد البأس، صعب المراس، مكافحًا في سبيل ما يرى أنه حق، ولو أن قوله الحق لم يذر له صديقًا تقريبًا، إلاّ ما ندر من أمثاله المشتتين في أنحاء مختلفة من العالم.
كان الكاتب من بين من ندر من هؤلاء الأصدقاء، عندما جمعتهما الصدف في زنزانة واحدة في السجن العسكري ببيروت، وحكم عليهما بالإعدام رميًا بالرصاص، ثم نجوا من الموت بأعجوبة.
تنقطع أخبار اليسراوي عن صديقه، إلى أن يلتقي به مصادفة، في مصيف جميل في جبل بكفيا المطل على البحر، حيث كان يعتكف في فيلا يملكها هناك، يعاني من الوحدة والضجر والمرض، معتزلًا الناس -كما المعري-.