"وما ملتن الإنجليزي صاحب الفردوس الغابر إلاّ من الأتباع.. ومثله شاعر الطليان دانتي في كتابه... بيد أنا أهل المشرق لم نحتفظ بمآثر أسلافنا، ولم نؤمنها من بوائق الضياع".
أما بنت الشاطئ، التي قامت بدراسة مستفيضة عن المعري وتأثيره في الآداب الأخرى، فلم تقبل نظرية بلاسيوس حول تأثر دانتي بالإسلام.
وقد وضحت رأيها بالنقاط التالية (الغفران لأبي العلاء المعري- دار المعارف بمصر-1954) :
-إن هناك قدرًا من التأثر بالأفكار الإسلامية التي دخلت أوربا عن طريقين: صقلية وإسبانية، (وهي قصة المعراج، وآراء الإسلام في الحياة الآخرة) .
-إن كلًا من المعري ودانتي إنسان وشاعر، لكن المعري اعتزل الحياة ومباهجها، في حين انغمس دانتي في المجتمع والحب والحياة العامة والسياسية.
ففي سن الخامسة والثلاثين، كان من الستة الذين يحكمون فلورنسة. كما أنه ذاق مرارة الهزيمة والنفي.
-إن العملين يلتقيان عند فكرة الرحلة الخيالية إلى العالم الآخر، وهي فكرة إنسانية عامة، لا توحي بالتأثر والتأثير.
-لم يكن دانتي بحاجة إلى محاكاة الغفران، فبين يديه -وهو يكتب رحلته- إلياذة هوميروس، وفيها أحاديث عن الحياة الأخرى. كذلك كانت قصيدة الإنيادة لفرجيل، وفيها مشاهد للجحيم. كما أن دانتي اتخذ فرجيل صاحبها شاعرًا أثيرًا لديه، ودليلًا له في رحلته، نظرًا لخبرته السابقة.
-لكل منهما طريقته الخاصة وطابعه، ولكل من العملين صفاته المختلفة:
الكوميديا قصيدة باركها رجال الدين المسيحي، والغفران وصاحبها متهمان.
الكوميديا تمجد الحب، والغفران لشاعر يكفر بالحب. دانتي ناقد سياسي، والمعري ناقد لغوي. الكوميديا جد وعاطفة إنسانية، والغفران شهوات مصورة بسخرية ومرارة، وفيها تهكم من معتقدات الناس.
حين ننتقل إلى أدبنا المعاصر، يفاجئنا أحد الأدباء السوريين بعمل أدبي متميز، يعيدنا إلى أجواء المعري.