في مقالة"أبو العلاء وجون ملتن"أشار الكاتب إلى ملامح متشابهة بين أبي العلاء -دون أن يذكر اسم رسالة الغفران- وبين الفردوس المفقود لملتن، ومثّل باتفاق خواطر الشاعرين في ميدان الشعر (وهي معان عامة تتوارد على خواطر معظم الشعراء) دون أن يقصد الموازنة بينهما، أو يشير إلى مسألة التأثر والتأثير.
وبعد ثمانية أعوام، أي سنة 1904، ظهرت ترجمة البستاني لإلياذة هوميروس وفي المقدمة التي كتبها البستاني، طوّر الفكرة من التشابه إلى نوع من الموازنة، حين قال فيها:
"إن من أحسن ملاحم المولدين، ملحمة نثرية جمع فيها صاحبها شتيت المعاني، وأوغل في التصور، حتى سبق دانتي الشاعر الإيطالي وملتن الإنكليزي إلى بعض تخيلاتها، ألا وهي رسالة الغفران لأبي العلاء المعري".
وما هي إلاّ أعوام قليلة أخرى، حتى تحولت القضية إلى دعوى تأثر ملتن بالمعري ومحاكاته، فقد أضاف جرجي زيدان عنصر الاقتباس، حين قال في (تاريخ الآداب العربية) :
"فتخيل رجلًا صعد إلى السماء، ووصف ما شاهده هناك، كما فعل دانتي شاعر الطليان في الرواية الإلهية، وما فعله ملتن الإنكليزي في ضياع الفردوس، لكن أبا العلاء سبقهما ببضعة قرون".
ثم ظهر في مدريد عام 1919 كتاب بالإسبانية هو"الإسلام والكوميديا الإلهية"، من تأليف ميجويل أسين بلاسيوس، وطبع بالإنكليزية في لندن عام 1926. وفيه يرد المؤلف الكوميديا الإلهية إلى عناصر إسلامية، منها رسالة الغفران.
منذ هذا الوقت اختفى اسم ملتن أو كاد يختفي من ميدان المقارنة، وعاد اسم دانتي ليشغل المكان الأول في البحث المقارن، حتى أن محمد كرد علي لم يتردد في تقديمه لكتاب"جحيم دانتي" (ترجمة أمين شعر- القدس 1938) عن القول:
"إن أعمى المعرة كان معلمًا لنابغة إيطاليا في الشعر والخيال".
وقال الميمني (رسالة الملائكة- في ذيل كتاب أبي العلاء وما إليه -ط السلفية 1345هـ) :