كلاهما صاغ أحكامه الأدبية في أسلوب شائق على طريقة الحوار، وقام برحلة في عالم الخيال، أنطق فيها الجن والحيوان، لكن هذا نلقاه في الأقاصيص والأسمار والأساطير وأخيلة الشعراء، وكلاهما أراد إثبات تفوقه في الحفظ والإنشاء، وبراعته في الكلام والصنعة، وأن يبهر صاحبه، ولكن هذا يمكن أن يقال عن كل ما كتب الرجلان أو غيرهما من صناع الكلام.
إن من قالوا بالتشابه، لمحوا نظرة عابرة، ولو تمعنوا لأدركوا أنهم أمام أثرين متميزين لأديبين مختلفين، من إقليمين متباعدين. ولو فرضنا أن ثمة تشابهًا في الأسلوب والهدف، فهو لا يقوم وحده دليلًا على التشابه، إذا اختلف جوهر الموضوع:
-رسالة الغفران بطلها ابن القارح، أما أبو العلاء فيتوارى عن المسرح.
أما التوابع فبطلها ابن شهيد نفسه، وهو بطل كل الأحداث والمواقف والحوارات.
-الغفران تصور أحلام المعري، وتعرض آراءه ومذاهبه النقدية، أما التوابع فهو ديوان لشعر ابن شهيد.
-أبو العلاء حافظ راوية ناقد، وابن شهيد شاعر مفاخر مبارز، يهزم كل الشعراء.
وإذا انتقلنا خطوة أخرى، لنتلمس التشابه في الآداب العالمية، نجد أن موضوع التأثر والتأثير والتشابه قد بقي غائبًا عن أذهان النقاد فترة طويلة من الزمن، إلى أن جاء عام 1886، حين نشرت مجلة المقتطف سلسلة مقالات بعنوان:"شذور الإبريز في نوابغ العرب والإنكليز".
بدأت بمقالة عن العلاقة بين السلطان صلاح الدين والملك ريتشارد قلب الأسد، تلتها مقالة بعنوان:"أبو العلاء وجون ملتن الإنكليزي"، ثم مقالة تقارن بين ابن خلدون المغربي وهربرت سبنسر الإنكليزي.
ومن الواضح أن هذه المقالات ظهرت في مجلة مصرية، في وقت احتل فيه الإنكليز مصر بعد ثورة أحمد عرابي عام 1882.
إن كاتب المقالات أراد أن يخلق علاقة أدبية وهمية، وتشابهًا لا وجود له بين شخصيات عربية وأخرى إنكليزية، ليهيئ بذلك الأذهان لقبول وجود الإنكليز، والتعايش مع الاحتلال.