لقد ظهرت أيضًا في صدر القرن الخامس الهجري، ووصلتنا فصول منها عن طريق كتاب"الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة"لأبي الحسن علي بن بسام (ت 542هـ) .
كتب ابن شهيد هذه الرسالة لأبي بكر بن حزم، وتفنن في وصف رحلة خيالية، مع زابعة له من الجن، التقى به أول مرة حين كان يعاني الشعر في رثاء حبيب له مات. وفي هذا إشارة واضحة إلى تأثر ابن شهيد بالتراث العربي الذي جعل للشعراء واديًا يسكنه الجان، اسمه وادي عبقر.
حل ابن شهيد وزابعته في بلاد الجان، والتقى بعدد من الكتاب والشعراء، فصار يستنشدهم وينشدهم.
تعددت الرحلات، وشهدا فيها مجالس الجن، وهم يتذاكرون ويتناظرون.
وكان أبو عامر يدلي فيها بدلوه، وكان رأيه دائمًا هو الصائب.
رغم أن أبا عامر اختار في رسالته أن تكون رحلته إلى عالم الجن، لا إلى عالم الملائكة، فإن د. أحمد ضيف يراه مقلدًا للمعري، ويرى رسالته تشبه الغفران، من حيث أسلوبها الأدبي، مستدلًا بأن ابن شهيد قد أدرك عصر المعري، الذي كانت قد ذاعت شهرته، وبأن المغاربة في هذا العصر كانوا يقلدون المشارقة.
أما د. زكي مبارك (النثر الفني في القرن الرابع) فيخالف د. ضيف، حين يرى أن المعري هو الذي حاكى ابن شهيد، معتمدًا على ما قيل عن أن تأليف رسالة التوابع والزوابع سبق تأليف الغفران بعشرين عامًا.
ويستند الباحثان إلى أدلة متشابهة:
1-وجود الرجلين في عصر واحد.
2-شيوع التقليد بين الشرق والغرب.
3-تشابه الرسالتين في الموضوع والأسلوب ومسرح الحوادث.
ترجح بنت الشاطئ -ونحن معها- الرأي الثاني، لأن ابن شهيد في العام الذي كتبت فيه الغفران، كان على فراش الموت، لا يقوى على كتابة شيء.
تقول بنت الشاطئ (الغفران لأبي العلاء- دار المعارف بمصر- 1954) :
"من المسلم به أن بينهما أوجه تشابه، لكنها ليست خاصة بهما، وإنما هي من الظواهر الأدبية التي يمكن أن تلتمس عند غيرهما من أدباء العصر، أو في الآداب على وجه العموم".