وإذا كان المعري في الغفران يصطحب صديقه الشاعر ابن القارح في رحلة إلى العالم الآخر، فإن دانتي يترك للشاعر فرجيل أن يقوده في ذلك العالم، في رحلة استغرقت سبعة أيام، والمغزى هو أن الأعمى يقود المبصرين في العملين معًا.
صورة الآخرة لدى المعري صورة إسلامية، تحتوي على الجنة والنار. أما عند دانتي فهي صورة مسيحية، تحتوي على ثلاثة أقسام: الجحيم والفردوس، يتوسطهما المطهر.
ودانتي في هذا التقسيم يرمز بالجحيم إلى الخطيئة والعذاب والشباب، وبالمطهر إلى التوبة والتطهر، وبالفردوس إلى الكهولة والطهارة والحرية والخلاص والنور الإلهي.
وكما هو شأن المعري، حين يجعل رحلته في العالم الآخر، تغلب عليها السعادة والمتعة والنعيم، تعويضًا عن الألم والحرمان الذي عاناه في الحياة الأولى، فإن دانتي ينهي رحلته بالسعادة الإلهية، تعويضًا عن معاناته السياسية.
إنه يهدف إلى إصلاح البشرية، ويلغي فوارق الزمان والمكان، بحيث تختلط الخرافة بالواقع، والخيال بالتاريخ.
لقد صور كل ما يعتمل في داخل الإنسان من عواطف ومشاعر وانفعالات وأحاسيس، ومن أفكار متناقضة (من حب وكره، وكذب وصدق، ونفاق وصفاء...) .
لقد أبدع دانتي في رسم الطبيعة، كما أبدع في تصوير الشخصيات (الأمراء والفقراء، والشياطين والملائكة..) ، فكأنه يعكس التناقض الموجود في الحياة الدنيا.
وإذا كان من تشابه بين العملين، فلعل السبب في أن كلًا منهما كان مرآة لعصره، وانعكاسًا لواقعه.
إن الغفران صورة العالم الإسلامي في القرنين الرابع والخامس الهجريين، بكل ما فيهما من أحداث وتناقضات، كما أن الكوميديا الإلهية كانت نتاجًا للعصور الوسيطة في أوربا، وإرهاصًا لعصر النهضة فيها، حيث انتقلت الحضارة حينئذ من عصر الله إلى عصر الإنسان.