هذه السخرية من بعض المعتقدات الدينية، والحملة على النفاق والرياء، والحزن على غفلة الناس وحمقهم، دفعت البعض إلى اتهام المعري بالزندقة، متجاهلين أنه رسم صورة الآخرة، كما رسمها القرآن والحديث وكتب التفسير، وما تكوّن لها في الأذهان، من خلال الكتب والشعر والأساطير التي تناقلها الرواة.
في الغفران ثلاثة محاور رئيسية:
1-الحياة الآخرة: الجنة -النار.
2-الحديث عن الزندقة.
3-المسائل اللغوية والأدبية.
وإذا ما عقدنا مقارنة بين غفران المعري، وكوميديا دانتي (ت 720هـ) الإلهية، التي تلتها بعد حوالي (400) عام، لوجدنا كثيرًا من أوجه التشابه، التي لا تصل على الإطلاق إلى مستوى التقليد أو التماثل.
أما النقاد الذين تناولوا هذين العملين من زاوية التماثل والمحاكاة، فقد كانوا يسقطون بعض الأوجه التي رأوا فيها تشابهًا، على العملين معًا، واشتطوا في تفسير هذه الأوجه، التي قد يكون التشابه فيها قد أتى مصادفة، أو أنه كان انعكاسًا لبعض الأوضاع العامة والظروف الخاصة المتشابهة.
وعمومًا، فإن الذاكرة الإنسانية، والحضارات المتفاعلة، تحتفظ دومًا برصيد لا بد أن يظهر في إنتاج الأدباء، ويبدو على أنه تشابه أو تماثل، ذلك أن ثقافة ما لا يمكن أن تولد من فراغ.
لقد ورد العملان ومؤلفاهما عند القدماء والمحدثين: أشار بعضهم إلى مكانة الغفران في فنون النثر العربي، وأطلقوا عليها تسميات شتى، وصنفوها في فنون الملحمة أو المقامات أو القصص. ولكن المؤكد أنها لا تنتمي إلاّ إلى فن الرسالة التي تجري مجرى الكتب المصنفة، وإن كانت تحتوي على طرف من تلك الفنون الأدبية.
أما الكوميديا الإلهية، فهي لا تشبه الغفران في نوعها الأدبي، لأنها بناء شعري بحت، يتضمن شعرًا خالصًا مصوغًا في مائة نشيد.