فهرس الكتاب

الصفحة 17442 من 23694

وجحيم أبي العلاء هو جحيم الأعمى، هو جحيم يغلب عليه الطابع الإنساني، ويبقي على بشرية المعذبين وأهوائهم، ويوجز في تصوير آلامهم، هو جحيم فيه مشاهد أدبية حافلة -كما في الجنة- يشفق فيه على المعذبين منهم، ويجعل للأدب مكانة تشفع لصاحبه.

ولم يكن العصر أفضل حالًا من حال المعري. وهو بدوره ترك بصماته على الرسالة.

أدباء عصر المعري كانوا مولعين بالتراسل، لإبراز براعتهم الأدبية واللغوية.

وهذا ما فعله المعري في اختياره أسلوب الرسالة، وفي تناوله مسائل لغوية وأدبية، ليدلل بذلك على تمكنه منها، وعلى رجاحة في الرأي، ونضج في الفكر، وسلامة في المنهج، بما في ذلك من استطراد وإغراب وألغاز.

كما يدل على ذلك تناوله للقضايا النقدية والشعرية والعروض والموسيقا والنحو والصرف والرواية.

والحياة الأدبية عمومًا في عصر المعري -رغم ظهور الكثير من أعلام الأدب واللغة والشعر فيها- كانت تعاني من ضعف وتراجع.

وقد عكس الأدب صورة الأوضاع السياسية المتردية، من ضعف الدولة، وتنازع النفوذ فيها، والتقلبات والأخطار والمشاكل المتفاقمة، والحروب الداخلية والخارجية.

ولم تكن الحياة الاجتماعية تختلف كثيرًا، فقد كان الفساد متفشيًا، والقيم منهارة، ترافقها حياة دينية تتسم بالفوضى والتنازع والتشيع والتفرقة.

لقد أوحت هذه الأوضاع للمعري، أن يجعل للشعراء حظوظًا متفاوتة من النعيم أو العذاب، فصب نقمته على بعضهم، وأظل الآخرين برحمته، وخص آل علي وآل البيت بحقوق في الشفاعة، ليست لغيرهم، وأوحت إليه أيضًا أن يتهكم على المتكلمين والإمامية والصوفية والباطنية وغيرهم، ممن كان العامة مشغولين بدعاواهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت