الغزل إظهار الشوق إلى المحبوب، والحديث عن لوعة فراقه، وذكر أوصاف جلاله وجماله، وإذا تحدّد هذا المحبوب بامرأة معينة فإن هذه المرأة هي الوسيلة التي ينتقل منها المتغزل من النسبي إلى المطلق، وهي النافذة التي يطلّ منها الغزليّ إلى عالم الجمال المطلق.
مما تقدم لا نرى الوصف الحسّي للمرأة وذكر العلاقة الجنسية بها من الغزل، لأنه يتعارض مع روح الغزل التي تريد أن ترفع الشاعر إلى عالم الجمال المطلق.
والواقع أن كل شاعر عاشق، وكل عاشق عارف، ولو جفّ العشق لجفّت روح الشعر والعرفان أيضًا في نفس الإنسان. ولانطفأت النار الملتهبة في صدره.
يقول العطار في منطق الطير/ ص186- 187 بعد أن يسمى العشق الوادي الثاني من الأودية السبعة:
غرق اتش شد كبي كه أنجار سيد
عاشق أن باشد كه جون أتش بود
كرمْرو، سوزنده وسركش بود..
عقل درسوداه عشق استادنيست
عشق، كار عقل مادرزادنيست
عشق اينجا أتش است وعقل دود
عشق جون أمد كَر يزد عقل زود
أي: إن وادي العشق يغرق العاشق في النار، غير أن العاشق الحقيقي كالنار ساخن وحارق وطاغ.. والعقل ليس بحاكم في دنيا العشق، فوظيفة العشق غير مهمة العقل، فالعشق نار والعقل دخان، وإن شبت النار زال الدخان، وإن جاء العشق فرّ العقل بسرعة. ... هي بنت العراق بنت إمامي
وفي الأبيات حديث عن العلاقة بين الشعور والعقل لا مجال لذكره في هذا الحديث.
وابن عربي ممن عاش في وادي العشق، وتحدث عنه في غزل عبّر فيه عن جلال المحبوب وجماله.
وهنا أشير إلى أن غزل ابن عربي لم يكن في الله مباشرة وإنما كان في امرأة، أمرأة عاشت حياة حقيقية أو خيالية، ولا فرق بين الاثنتين، المهم أنهما ملكتا قلبه، وأثارتا في نفسه الشوق إلى الجمال المطلق.
ومن الطريف أن تكون المرأة الأولى إيرانية أصفهانية وهي التي نظم فيها أشواقه وأحسن قلائده يقول: