إن انتشار التصوف في بلاد الشام بشكله الواسع ساعد كثيرًا على رواج هذا الفن الشعبي الجديد كما هو الحال في مصر، وقد أشار إلى ذلك أستاذي فذكر أن"عصر ابن سناء الملك قد عرف المتصوفة الذي ينظمون معانيهم الصوفية في الموشحات" [1] . تعرض بعد ذلك للموشحات الزهدية عند ابن سناء الملك، ووقف عند المكفر منها، ونوه خلال ذلك بموشحات ابن عربي، وذكر أنها"تجنح إلى السهولة واليسر والبعد عن التكلف والتعقيد" [2] .
حاول ابن سناء الملك أن يطبع هذا الفن بأساليب المشارقة، بيد أن ابن عربي الأندلسي الذي ثقف هذا الفن في مرابع طفولته وصباه وشبابه، كان أكثر توفيقًا من سابقه في هذا المضمار، ومن حقه علينا أن نقف عند موشحاته لنبين خصائصها المميزة، ونذكر قيمتها الفنية في شعر هذا العصر، وأثرها في نشوء الموشحات المدحية والغزلية عند السراج المحار وسائر وشاحي بلاد الشام.
موشحات ابن عربي بين المشرق والمغرب
المعروف أن الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي قد استقر بعد خروجه من الأندلس وتطوافه الطويل في بلاد الشام، في المرحلة الأخيرة من حياته، وذلك في بعض العقود الأربعة الأوائل من القرن السابع الهجري.
ألف المتصوف المذكور في هذه الفترة (الديوان الأكبر) سنة 629هـ وهو ثاني ديوان له. وجدير بالذكر أن ديوانه الأول (ترجمان الأشواق) وضعه في مكة سنة 598 بعد أن توثقت علاقته بأسرة أبي خاشة، أمام مقام إبراهيم، وتعلق بحب ابنته الحسناء نظام [3] .
(1) الأهواني: ابن سناء الملك 196
(2) المصدر السابق 199
(3) آنخل بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي 374