يحتوي ديوانه الأكبر على ست عشرة موشحة وزجل واحد، وقد نوّه أستاذي عبد العزيز الأهواني بأهمية موشحاته فذكر أن بعضها"توغل في المعاني الصوفية، وتستخدم من الألفاظ والتراكيب ما لا يستطيع فهمه إلا من عرفوا مذهب ذلك الصوفي في وحدة الوجود، وقد ترق وتخف ويكثر فيها الغزل الذي يحتمل الرمز والتوجيه بحيث تصبح قريبة من كل نفس" [1] .
أما النوع الأول من هذه الموشحات فنعثر فيه على الطابع الشخصي لابن عربي في فنه، ونستطيع القول إنه كان الرائد الأول في المشرق والمغرب على السواء، فهو الذي وجهها وجهتها الصوفية، ووشحها بالمعاني الرمزية، وبذلك أدى خدمة كبيرة لجماهير الفقراء الذين يلحنونها وينشدونها في حلقاتهم الخاصة، ويتخذونها سبيلًا يصلهم بالعالم العلوي بعد أن يتجردوا من أدران العالم الدنيوي، ويعوجوا بأرواحهم على السموات العلا ليتحدوا بالذات الإلهية، وذلك بالفناء فيها. نقرأ هذه المعاني في موشحه ذي الرأس:
عساك يومًا نحوها ترقى
اطوِ إلى المهيمن الطُّرْقا
غريزةُ الإنسان قد ذلَّتْ
عساكر الأحوال قد حلَّتْ
أهلّةُ الأسرارِ قد جلَّتْ
وأضلُعي لبدرِنْا أفقا
وصيّرتْ قلبي لها شرقا
اخرُقْ سفينَ الحسّ يا نائمْ
واقتُلْ غلامًا إنّك الحاكْم
ولا تكنْ للحائط الهادمْ
وارتُقْ أراضي جسمِها رتقا
وافتُقْ سمواتِ العلا فتقا
سفينةُ الإحساس اخرُقها
وعروةُ الشيطانِ أوثقْها
وصورةُ الإنسانِ أطلِقها
وناده: رفقًا بها رفقا
وهِمْ في ذاتِه عشقا
خليفة الرحمن قد جلاّ
عن أن يرى بالسجن قد حلاّ
أو مدبرًا عنه إذا ولى
فجلّ أن يحول أو يشقى
قد أحكم اللهُ به الخلقا
يا سائلي عن كنه ما أجملْ
منْ حبّ مولىً لم يزلْ يُحملْ
فقُمْت أشدوه كما أنزلْ
فلا تسلْ عن كنهِ ما ألقى [2]
ألقى الهوى بالقلب ما ألقى
(1) الأهواني: ابن سناء الملك 197
(2) ديوان ابن عربي 213