ـ وابن عربي ماهو في هذا إلا داع إلى لقاء على مستوى الإنسان في رحاب رسالة السماء العظيمة، وتحت ظلال الحقيقة المحمدية الجامعة المؤلفة: (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين) ، الأنبياء /107.
3 ـ هذا هو الإنسان عند ابن عربي:
أ ـ الترسيم. ب ـ التقسيم.
أ ـ الترسيم:
ـ انطلق ابن عربي في تعريفه للإنسان من المهمة التي وكلت إليه، ومن الصفة التي شكّلت وظيفة له، يوم تعلّقت الإرادة الإلهية بإيجاده. قال تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون) ، البقرة/30.
فالخلافة عن اللّه هي الإنسانية في رأيه، يقول ابن عربي في"بلغة الغوّاص"، ص /540:"إنّ الإنسانية الخلافة عن اللّه، والخلافة عن اللّه تشمل الولاية والنبوة والرسالة والإمامة والأمر والملك؛ والكمال الإنساني بكمال هذه المراتب، وهو مركوز في الإنسان ـ أي الكمال ـ بالقوة منذ آدم إلى آخر مولود ( [ix] ) ."
ـ والخلافة رتبة كمالية لا يحوزها إلا الوجود الإنساني، بل لا يأنسها إلا الإنسان، ولأنه كذلك أي يأنس الرتبة الكمالية سمي إنسانًا ( [x] ) .
ـ ويلمح دارس ابن عربي رفضه التعريف الفلسفي للإنسان القائل بأنه حيوان ناطق، وذلك حين يقرأ في فتوحاته قوله:"فالكل: الجماد والنبات والحيوان عند أهل الكشف حيوان ناطق؛ بل حي ناطق؛ غير أنّ هذا المزاج الخاص يسمى إنسانًا لا غير بالصورة، ووقع التفاضل بين الخلائق في المزاج، قال تعالى: (وإن من شيء إلا يسبّح بحمده) ، الإسراء /44. و"شيء"، نكرة، ولا يسبّح إلا حيٌّ عاقل عالم بمسبَّحه."
وقد ورد أنّ المؤذن يشهد له مدى صوته من رطب ويابس" ( [xi] ) ."
ويؤكد هذا النص ماذهبنا إليه آنفًا من أنّ منهج ابن عربي هو الأذواق والكشف والعرفان، في مواجهة مناهج الفلسفة القائمة جميعًا على العقل الجاف ( [xii] ) .