لقد أخرجتُ منذ سبع سنين مؤلفًا عن الإنسان والإسلام، وأعدتُ طبعه منذ سنة تقريبًا مع زيادات عليه، وها أنا اليوم أتقدم بدراسة متواضعة عن الإنسان في فكر ابن عربي، وستكون في الآتي القريب من الزمان بعون اللّه ملحقة بسابقتها في قرطاس واحد، والأمل العلمي المكتنف هو أن أتابع فأجمع أكثر وأكثر عن الإنسان، وهمّي القابع فيّ وأنا أبحث تحققٌ بالمقولة الرائعة (من عرف نفسه فقد عرف ربّه) ( [v] ) ؛ وهذا يعني في النهاية تحققًا بالغاية التي خُلقنا من أجلها: (وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ، الذاريات /56، والعبادة هنا على رأي حبر الأمة ابن عباس هي المعرفة ( [vi] ) .
وأنا أقول: إن التعبير بالعبادة هو تعبير باللازم عن الملزوم عنه، بالمعرفة أساس العبادة، والعبادة ناتجة عن المعرفة، ولازمة من لوازمها.
2 ـ أهمية الإنسان عند ابن عربي:
أ ـ لقد امتد الإنسان وما يتعلق به على جلّ مساحة كتابات ابن عربي، فما من مصطلح للشيخ في فتوحاته، أو في فصوصه، أو في سائر كتبه الأخرى مخطوطها ومطبوعها إلا وله صلة وارتباط قريب أو بعيد، جليّ أو خفيّ بالإنسان، وحين تتوجّه فتقرأ"المعجم الصوفي"للباحثة الفاضلة الدكتورة سعاد الحكيم، فستجد أنّ أكثر المصطلحات تدور في فلك الإنسان في تجليات مختلفة، وتحديدات متنوعة، فمن الأب بكل المضافات إليه، إلى الإمام بصفاته كافة، إلى النبوة وأشكالها، إلى الإنسان لفظًا وحروفًا وصنوفًا، إلى البيت ومجازاته، إلى التجلي وإشاراته، إلى الحب ومنطلقاته، إلى الحق والحقيقة وتجلياتهما، إلى الولاية وسماتها، والقلب وأحواله، والشهود ومقاماته،.. الخ.
وستخرج بعد قراءتها، إن في كتب الشيخ مباشرة، أو في مؤلفات نقلت عنه، بقناعة لحمتها وسداها حرص الشيخ الأكبر على دراسة الإنسان، وترسيمه، وتقسيمه، وتفنيده، وتبيان مهمته وغايته، وتوضيح حقيقته أصلًا وفرعًا، وكمالًا ونقصًا، ودينًا وطينًا.