وقد نظم ابن عربي هذا المعنى اللطيف، فقال:
وما لوعيدِ الحقّ عينٌ تُعاين
على لذّةٍ فيها نعيمٌ مباين ... وإنْ دخلُوا دارَ الشقاء فإنّهم
وبينهما عند التجلّي تباين ... نعيم جِنان الخُلد، فالأمرُ واحد
وذاك له كالقِشر والقشر صائن ... يُسمّى عذابًا من عذوبة طعمه
لقد سيطرت فكرة"الواحد"على فكر ابن عربي، ففسّر بها كل ما في الوجود من صور واعتقادات ومتغيّرات، فليس ثَمَّ إلا الحقّ، يتجلى في صور متعدّدة وعقائدَ مُتباينة ودياناتٍ مختلفة، أما العارفُ فيدرك أن وراءها جميعًا إلهًا واحدًا: ... عقد الخلائقُ في الإله عقائدًا
وأنا اعتقدتُ جميع ماعقدوه
قالوا بما شهدوا وماجحدوه ... لمّا بدا صُورًا لهم متحوّلًا
ورأى أن الديانات على اختلافها واحدة في جوهرها، لأنها تدعو إلى الواحد الأحد: ... لقد صار قلبي قابلًا كلّ صورة
فمرعىً لغِزلان وديرٌ لرهبان
وألواحُُ توراةٍ ومُصحف قرآن ... وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ
ركائبُه، فالحُبّ دِيني وإيماني ... أدينُ بدين الحب، أنّى توجهتْ
والحب سببه الجمال، والجمال هو الله، والله جميل يحب الجمال، فهو يحبّ نفسَه ومن أحبّ الجمال لم يحبب سوى الله، وإنما أخرج اللهُ العالمَ كلَّه ليكون مرآته يرى نفسَه فيها، وعلى المحب أن يُصمّ سمْعه إلاّ عن كلام محبوبه، ويُعميَ عينَه عن كل منظور سوى وجه محبوبه، ويُخرِس لسانه عن كل كلام إلا عن ذِكر محبوبه ويرمي على خزانة خياله فلا يتخيّل سوى صورةِ محبوبه، فبه يسمع وله يسمع، وبه يُبصر وله يُبصر، وبه يتكلّم وله يتكلّم.
يحب اللهُ الناسَ لهم ولنفسه، وللحب الإلهي -عند ابن عربيّ- وجهان حبُّ الخلق للحق، وحب الحقّ للخلق، والحق يبادل الخلق حبًا بحبٍ واشتياقًا باشتياق، بل إن شوقه إلى المُشتاقين أقوى من شوقهم إليه، ومما جاء في"فصوص الحكم"قولُه تعالى:"ماترددتُ في شيء أنا فاعلُه تردُّدي في قَبْض عبدي المؤمن، يكره الموتَ، وأكره مساءته، ولابدّ له من لقائي".