وأما مايلوح لك في الوجود من تناقض وتعدّد وتعارض واختلاف فإنما هو وهم خادع، وضلال ناشئ عن بلادة الحِسّ وقصور العقل وارتباط الإنسان بالمصالح والغرائز والظروف، ولو أنه تحرّر من هذه القيود وتَفَلَّتَ من هذه الأشراك لأدرك وَحْدانيةَ الوجود ولوقف على الأسرار ولا يكون ذلك بالنظر العقلي وإنما بالكشف الصوفي. وليست وحدة الوجود عند ابن عربيّ وحدة مادّية يضحّي فيها بفكرة الألوهيّة. بل العكس هو الصحيح أي أن الوجود الحقيقي هو وجود الله وحده، أمّا الخلق فهو شبح زائل وظل عابر.
وطريق المعرفة إنما هي القلب لا العقل، أي الحدْس لا المنطق، ذلك أن المعرفة نور يقذفه الله في قلب ابن آدم، لذلك ماوقف على أسرار النفس"إلا الإلهيون من الرسل والصوفية، وأما أصحاب النظر وأرباب الفكر من القدماء والمتكلّمين في كلامهم على النفس وماهيّتها فما منهم من عثر على حقيقتها ولا يُعطيها النظر الفكري أبدًا، ومن طلب العلم بها من طريق النظر الفكري فقد استسمن ذا وَرَم، ونفخ في غيرِ ضَرم".
ويحتلّ الحب في فلسفة ابن عربي مكانةً مرموقة، فهو سرّ الخلق، ومغزى الوجود، ولولا حب الله لذاته، ورغبته في إبداء صفاته وتجلية كمالاته، ما أشرق في عالم العِيان شيء، ولا برز إلى صفحة الوجود مخلوق، فالعالم إذًا صادر عن حركةٍ حُبّيّة"ولولا هذه المحبّة ماظهر العالَمُ في عينه، فحركتُه من العدم إلى الوجود حركة حُبّ المُوجِد".
ولما كان الحب سبب الوجود كان الوجود كله مشمولًا بالرحمة والغفران فلا مذنب ولا آثم إلا فائز بالعفو، والدليل على ذلك أن الثناء جاء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد. يقول ابن عربي:
"الثناء جاء بصِدْق الوَعْد، لا بصدق الوعيد، والحضرةُ الإلهية تطلب الثناءَ المحمود بالذات، فيُثنى عليها بصدق الوعد، لا بصدق الوعيد، بل بالتجاوز:"فلا تحسبن اللهَ مُخْلِفَ وعدِه رًسُلَه"ولم يقل:"وعيدِه""
بل قال:"ويتجاوز عن سيئاتهم".