المقصد يقول: من كل حكمة إلهية حصلت للعبد في خلوته فقتلته عن مشاهدة ذاته وحكمت عليه. فإذا رأيتها حسبتها فوق سرير الدر، يشير إلى ما تجلى لجبريل والنبي عليهما الصلاة والسلام، في رفرف الدر والياقوت عند سماء الدنيا فغشي على جبريل وحده لعلمه بمن تجلى له في ذلك الرفرف الدري (!) وسماها بلقيسًا لتولدها بين العلم والعمل، فالعمل كثيف والعلم لطيف، كما كانت بلقيس متولدة بين الإنس والجن، فإن أمها من الإنس وأباها من الجن، ولو كان أبوها من الإنس وأمها من الجن لكانت ولادتها عندهم، وكانت تغلب عليها الروحانية، ولهذا ظهرت بلقيس عندنا (30) (!!) .
ترى ما علاقة هذا التأويل كلّه أيضًا ببيت الشعر الغَزِل اللطيف!
بين بلقيس وبين سليمان
إن بلقيس هذه التي ذكرها في آخر البيت، وبها يضرب المثل بالسلطان والجمال واللباقة وحسن التصرف، حين قررت الذهاب إلى"سليمان"، وأخبرته بذلك، شيّد لها صرحًا عظيمًا، ومرد أرضه بالزجاج، فلما جاءت وأرادت دخول الصرح والوصول إلى العرش ظنت الزجاج ماء، فكشفت عن ساقيها لئلا تبتل ثيابها بالماء. وأُخْبرت أن ما ظنته ماء إنما هو زجاج (31) .
وهذا ما ذكره الشيخ محيي الدين في البيت التالي، وأضاف إليه أطيافًا من بهاء بلقيس ـ وهو يعني النظام بالطبع ـ"شمسًا على فلك"، وما عرف عن إدريس من علم وحكمة ـ وهما من صفات النظام أيضًا ـ حتى ذُكر أنه"أول من خط بالقلم"32- وذكر أيضًا أنه جمع العلم والعمل معًا:
شمسًا على فلك في حِجْر إدريسا
إن ابن عربي يقول كلامًا كثيرًا في تأويل هذا البيت. وإذ يشير إلى الأحوال الإلهية والصوفية بقوله:"فكأنه ـ وهو يعني نفسه ـ يقول: قوة سلطان هذه الحكمة إذا وردت على قلب متعشق. بما حصل فيه من المعارف أحرقتها وأذهبتها"، فإنه لا يتمكن من متابعة هذا الاتجاه في التأويل، إزاء تلك العبارة: