ويذهب الدكتور عفيفي بعيدًا باتجاه منبع الحب الإلهي، فالحب عند ابن عربي هو أصل العبادة وسرها وجوهرها، إذ لا معبود إلا وهو محبوب، ولولا الحب ما عُبد شيء من إنسان أو شجر أو كوكب أو صنم، لأن الشيء لا يعبد إلا بعد أن يخلع عليه العابد لباس التقديس، وهو لا يقدسه إلا بعد أن يحبه ويتفانى في حبه، فالمعبود والمحبوب إذًا عين واحدة وإن اختلفت عليها الأوصاف (26) .
بل إن الهوى، في نظر ابن عربي، هو اسم من أسماء الله. هو الحب عينه، بل هو أعظم أسماء الله على الإطلاق. (27) .
عودة إلى شرح الترجمان
في العودة إلى شرح ترجمان الأشواق نقول: لم تدرج العادة أن يشرح الشاعر شعره، لكن ابن عربي إذ فعل ذلك ـ للأسباب الآنف ذكرها ـ فإنه جعل لكلماته ومفرداته نكهة خاصة، وأضفى أبعادًا شعرية وإنسانية وصوفية تتصل كما تقدم بنظريته في وحدة الوجود. وفي الواقع فإن إرادته إضفاء البعد الصوفي الإلهي على معانيه وألفاظه، جعل أشعاره مسربلة بثوب ضيق من الغموض، وزادها صعوبة في الفهم، لأنه أحب أن ينتقل من"الظاهر"إلى"الباطن"، من العَرَضْ الدنيوي الزائل إلى الجوهر الأزلي.
ويشعر القارئ أن كل تفسير إنما هو إضفاء وإضافة ليست من روح النص، وليس ثمة ما يوصل إلى المعاني التي رمى إليها سوى تلك الرموز التي ركَّز عليها في الشرح. وهو يستفيد من هذه المسألة:"الرموز والظاهر والباطن". ليفسر النصوص على هواه. يذكِّرنا هذا بما فعله الدكتور عاطف جودت نصر إذ قسم قصائد"ترجمان الأشواق"إلى ثلاثة أنواع: قصائد تبدو أكثر انسياقًا مع المعنى الغزلي المباشر، وهي قصائد اقتضى تأويلها قدرًا من الاعتساف الذي يخرج المعنى عن طبيعته. وقصائد أخرى أكثر انسياقًا مع التأويل الصوفي منها مع الغزل المباشر. وطائفة ثالثة يكاد يتوازن فيها الاتجاهان فهي متسقة مع الغزل المباشر اتساقها مع التأويلات الصوفية على حد سواء (28) .
مع"أسقفة من بلاد الروم".