وعلى هذا النحو، وانطلاقًا من نظرية ابن عربي في الحب الإلهي يتابع الدكتور عفيفي تفسيره حب الشيخ تلك الحسناء"النظام"، فلاشك أنه"قد وجد في تلك الصورة الإنسانية الحسناء، مجلى من مجالي الجمال الإلهي المطلق الذي تعشَّقه وقدسه، وألفى لها مكانًا من قلبه، لا من حيث هي امرأة يعشق جمالها الحسي الفاني، ولا من حيث هي موضع لشهوة أو هوى، بل من حيث هي رمز لذلك الجمال الشامل المتجلي فيها في صورة كاملة."
فإذا بثها حبه وأشواقه، فإنما يتجه بحبه وأشواقه إلى الذات الإلهية التي هي صورة من صورها. وإذا وصفها بما يصف به الغزلون من الشعراء محبوباتهم، فإنما يصف ذلك الرمز مكِّنيًا به عن الحقيقة الكلية التي هي وراءه. ولذا كانت لغة"ترجمان الأشواق"لغة رمزية اصطلاحية يجب تأويلها وصرفها عن مظاهرها. (23) .
ويستطرد الدكتور عفيفي إلى القول: لم تكن تلك الحسناء إذًا سوى واحدة من صور الجمال اللانهائي التي وسعها قلب ابن عربي وأحبها، لا من حيث ذاتها، بل من حيث هي رموز ومجال للذات الإلهية الواحدة المحبوبة على الإطلاق والمعبودة على الإطلاق، لأن المحبوب عنده واحد مهما تعددت مجاليه، والجميل واحد مهما تعددت صوره. والمعبود واحد مهما تعددت أشكاله. (24)
من الجمال المحسوس إلى الجمال المعقول
لقد قال ابن عربي ماقال في الحب الإلهي وعينه مستقرة على الصورة المحسوسة، ولكن قلبه مشغول بصاحب الصورة. تغنى بالجمال المحسوس وقلبه متعلق بالجمال المعقول. وماذا يضير الصوفي لو انتقل من عالم الأرض إلى عالم السماء، واتخذ من المحسوس سلمًا يصعد به إلى المعقول؟! (25) .