ثم ينتهي إلى أنه راعى"في صحبتها كريم ذاتها مع ما انضاف إلى ذلك من صحبة العمة والوالد""فقلدناها من نظمنا في هذا الكتاب أحسن القلائد بلسان النسيب الرائق وعبارات الغزل اللائق، ولم أبلغ في ذلك بعض ما تجده النفس ويثيره الأنس"ويوضح أنه أعرب"عن نفس تواقة"و"كل اسم أذكره في هذا الجزء، فعَنها أُكنّي، وكل دار أندبها فدارها أعني".. ثم لا يلبث بعد أن أخذه اتجاه الحب والغزل هذا المأخذ أن يعود فيستدرك قائلًا:"ولم أزل في ما نظمته في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية، والتنزلات الروحانية، والمناسبات العلوية، جريًا على طريقتنا المثلى، فإن الآخرة خير لنا من الأولى". ومع أنه جمع في درج كلامه هذا بين"النسيب"وبين"التصوف"لكنه آثر أخيرًا أن يؤكد أهمية انتباه قارئه إلى المعاني الصوفية لئلا"يسبق خاطرة إلى ما لا يليق بالنفوس الأبية، والهمم العلية، المتعلقة بالأمور السماوية"15-
ابن عربي يتحدث عن سبب شرحه الديوان
لا بد من أن نضيف هذا التأكيد من الشيخ محيي الدين على المعاني الصوفية، ليتضح لنا ما دعاه إلى شرح"ترجمان الأشواق"ذاك أنه أثار فقهاء ذلك الزمن الذين رأوا فيه غزلًا صريحًا أخذوه عليه.
يقول ابن عربي في مقدمته:
"وكان سبب شرحي لهذه الأبيات أن الولد بدرًا الحبشي والولد إسماعيل بن سودكير سألاني في ذلك: وهو أنهما سمعا بعض الفقهاء بمدينة حلب ينكران هذا من الأسرار الإلهية، وأن الشيخ"يعني نفسه"يتستر لكونه منسوبًا إلى الصلاح والدين، فشرعتُ في شرح ذلك، وقرأ علي بعضَه القاضي ابن العديم بحضرة جماعة من الفقهاء، فلما سمعه ذلك المنكر الذي أنكره تاب إلى الله سبحانه وتعالى ورجع عن الإنكار على الفقراء، وما يأتون به في أقاويلهم من الغزل والتشبيب يقصدون في ذلك الأسرار الإلهية" (16) .