فهرس الكتاب

الصفحة 17308 من 23694

إن التناقض الذي لمسناه مما تقدم بين ما أراده ابن خلدون للعمل التاريخي من دقة وموضوعية ومراعاة للعقل وقواعد العمران، وبين طبيعة معالجته لبعض الأحداث التاريخية التي أوردها في مقدمته، لا يخرج، فيما يبدو، عما كانت تتصف به شخصية ابن خلدون التي تجاذبتها نزعتان متضادتان كما يرى ساطع الحصري (91) ، إحداهما حب المنصب والجاه، والأخرى حب الدرس والعلم. وهاتان النزعتان اللتان وقع تحت تأثيرهما ابن خلدون كانتا، فيما يقرر الحصري أيضًا الدافع لإبداعه الفكري، وهما أيضًا، فيما نرى، وراء تناقضاته التي أشرنا إليها. بيد أن كل تلك التناقضات والأخطاء التاريخية (92) لا تقلل من قيمة التميز الذي اتصف به الفكر الخلدوني، ولا يجب أن تبخس عبقرية صاحب هذا الفكر حقها. كما أن سلبيات العباسيين لا تلغي، في الوقت نفسه، مساهمات عصرهم في بناء صرح حضارتنا العربية الإسلامية. والنقد الذي أكدنا في بداية البحث على أهميته لنهضة أمتنا أسمى قيمة وأوضح معنى لدى أصحاب العقول النيرة من التشكيك الذي قد يلمز به من قبل أهل الأهواء والجمود.

ومن ثم فإننا نرى أن ابن خلدون محق في ضرورة إخضاع التاريخ الذي دونه المؤرخون العرب المسلمون للنقد والتمحيص الذي لا يستثني أحدًا من هؤلاء بمن فيهم الثقات. ولكننا نرى أيضًا ألاّ يستثنى ابن خلدون نفسه من مثل هذا النقد والتمحيص لتاريخه، وللأحداث التاريخية التي عالجها في مقدمته كأمثلة على شطط السابقين في معالجتها، لا لشيء سوى أنه لم يكن ليمتاز، كمؤرخ، على غيره من المؤرخين.

(الهوامش)

(1) بدوي، عبد الرحمن، النقد التاريخي، دار النهضة العربية، القاهرة 1970، ص16.

(2) لانجلوا وسينوبوس، المدخل إلى الدراسات التاريخية، ترجمة عبد الرحمن بدوي ضمن كتاب النقد التاريخي، ص71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت