فهرس الكتاب

الصفحة 17307 من 23694

وقد استرسل ابن خلدون في دحض قصة العباسة بما أخرجه عن حدود معانيها ودلالاتها وأوقعه في الإسهاب في مناقشتها في شبهة البعد عن معيار الاحتكام إلى ثوابت الشريعة، مما هو في غنى عنه. فليس في القصة ما يفيد بأن الرشيد قد أصهر إلى مولاه جعفر البرمكي وعقد له على أخته العباسة عقد زواج مستوف لشروط العقد الشرعي، ومن ثم فلا وجه للاستفهام الاستنكاري في قول ابن خلدون:"كيف يسوغ من الرشيد أن يصهر إلى موالي الأعاجم على همته وعظم آبائه" (86) . وقوله فيما يتعلق بالعباسة:"كيف تلحم نسبها بجعفر بن يحيى وتدنس شرفها العربي بمولى من موالي العجم" (87) . فالرشيد عقد لجعفر على أخته عقدًا (صوريًا) ليحل له النظر إليها في مجلسه وذلك كما يقرر الطبري والمسعودي (88) وغيرهما من المؤرخين. وكما يذكر ابن خلدون أيضًا في قوله أن الرشيد"أذن لهما في عقد النكاح دون الخلوة حرصًا على اجتماعهما في مجلسه" (89) . ولو أننا لا نعلم وجهًا لصحة مثل هذا العقد في أحكام الشريعة، فهو إما باطل أو لا يصح فيه شرط عدم المعاشرة.

وإذا لم يكن هنالك إصهار ولا زواج (طبيعي) ، ولم يتطرق إلى ذكر هذا أحد من المؤرخين، فلا موجب إذن أن ينبري ابن خلدون لعقد مقارنة بين العباسة وجعفر ينكر فيها التكافؤ بينهما، حيث يقول:"فلو نظر المتأمل في ذلك نظر المنصف، وقاس العباسة بابنة ملك من عظماء ملوك زمانه لاستنكف لها من مثله مع مولي من موالي دولها، وفي سلطان قومها، واستنكره ولج في تكذيبه. وأين قدر العباسة والرشيد من الناس؟" (90) . ويبدو أنه كان من الأسلم لابن خلدون، الفقيه وقاضي القضاة، أن يتحاشى ما قد يقبل من غيره الوقوع فيه، فلا يستخف بمبدأ التسوية العرقية الذي أقره الإسلام لأتباعه، بل وأكّد عليه.

التناقض وحقيقة الفكر الخلدوني.. كلمة أخيرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت