-وفي الوقت الذي نوافق فيه ابن خلدون على شكه في قصة العباسة أو نفيها، فضلًا عن القول بأنها سبب نكبة البرامكة، فإن من الصعب، في الوقت نفسه، قبول السبب الذي ذكره لنكبتهم، وهو"استبدادهم على الدولة واحتجانهم أموال الجباية" (83) لدرجة كان معها الرشيد"يطلب اليسير من المال فلا يصل إليه" (84) . فقد كان بمقدور الرشيد، الذي أوصلهم إلى هذه المكانة وسمح لهم بجمع الثروات الطائلة، أن يحدّ من نفوذهم وثرائهم دون القضاء عليهم وقطع دابرهم بهذا الشكل الذي عزّت قسوته على الرشيد نفسه فيما يذكر بعض المؤرخين. فالقول بسبب واحد في تعليل الأحداث أمر لا يقره العمل التاريخي الموضوعي، إذ أن لكل حادث تاريخي، في الغالب، أسبابًا حقيقية وأسبابًا عرضية متعددة، وهي جميعًا تشكل منظومة متداخلة ومعقدة. والأسباب الحقيقية تتفاعل في خلقها ظروف متنوعة، وتحتاج كيما تتبلور إلى مدة طويلة من الزمن. وعملية البحث في تلك الأسباب المتداخلة، الحقيقية والمباشرة (أو العرضية) ، يقتضي ترتيبها ترتيبًا قائمًا على نظام محدد يوضح طبيعة العلاقة التي تربط بينها، وأولوية بعضها على بعضها الآخر، مع إمكانية تحديد السبب الرئيس فيها أو ما يمكن تسميته بسبب الأسباب، وهو ليس بالضرورة سببًا مفردًا، إذ ربما يكون أكثر من سبب واحد. وقد أغفل ابن خلدون، فيما يبدو، كل ما تقتضيه موضوعية البحث في أسباب هذا الحادث الذي اكتنفه شيء غير قليل من الغموض، وأقدم، بجرأته المعهودة، على القطع بسبب واحد، وهو الاستبداد بأمور الحكم وأموال الدولة، مخالفًا كبار المؤرخين الذين يقررون أن سبب نكبة البرامكة مختلف فيه، وهو ليس سببًا واحدًا في رأي بعض هؤلاء، بل هو أسباب متعددة (85) .
إهمال الدقة ومعايير الشرع: