ثم أن من يتمتع بمثل كل صفات الرشيد تلك لابدّ أن يربأ بنفسه عن مواجهة عدوه غيلة والقضاء عليه غدرًا، وهذا مال يتورع الرشيد عنه، إذ"دس الشماخ من موالي المهدي أبيه للتحيل على قتل إدريس وخلطه بنفسه وناوله الشماخ في بعض خلواته سمًا استهلكه به. ووقع خبر مهلكه من بني العباس أحسن المواقع... فلم يكن منتهى قدرة الرشيد على إدريس الأكبر بمكانه من قاصية المغرب واشتمال البربر عليه إلا التحيل في إهلاكه بالسموم" (80) . ومن ثم كان الأجدر بابن خلدون أن لا ينقل قضية تحايل الرشيد على قتل إدريس إذا كان يريد لنا أن نصدق وصفه للرشيد وأن نقتدي به كمؤرخ، ونكون مؤرخين موضوعيين لا نتشيع لرأي ولا نتخرب لجماعة، ويكون رائدنا الصدق وضالتنا الحقيقة.
-كذلك كانت حجة ابن خلدون واهية حينما أراد أن يثبت للمنصور بعض الصفات التي ورثها عنه حفيده الرشيد، فأبو جعفر كان"يتورع عن كسوة الجديد لعياله من بيت المال. ودخل عليه [ابنه المهدي] يومًا وهو بمجلسه يباشر الخياطين في إرقاع الخلقان من ثياب عياله، فاستنكف المهدي من ذلك، وقال يا أمير المؤمنين عليّ كسوة العيال عامنا هذا من عطائي، فقال له الملك ذلك ولم يصده عنه، ولا سمح بالإنفاق من أموال المسلمين" (81) . فلماذا يكسو المنصور عياله جديدًا من بيت المال؟ هل كان لابنه عطاء ولم يكن له مثله لينفق منه على الكسوة؟ يبدو أن ابن خلدون قد (خامره تشيع لرأي أو نحلة) أنكره على غيره، فكان ذلك (غطاء على عين بصيرته من الانتقاد والتمحيص) ، إذ لم يوصله إلى معرفة ما اشتهر عن المنصور من بخل وتنقيب الناس له بلقب (أبي الدوانيق) (82) .