فهرس الكتاب

الصفحة 17304 من 23694

على أن شرط العصبية القوية اللازمة للثائر لا ينطبق على خروج إدريس ويحيى على العباسيين، ذلك أنه قد"يحدث لبعض أهل النصاب الملكي دولة تستغني عن العصبية... وهذا كما وقع للأدارسة بالمغرب الأقصى والعبيديين بأفريقية" (77) . ومن ثم فإن ابن خلدون لم يصدر في تعامله معهما عن هذا الشرط، بيد أن موقفه منهما، وهو الإطراء للأول والسكوت أو الإيحاء بالذم بالنسبة للثاني، كان يتناسب مع مجمل فكره البرغماتي المادي بصورة عامة، ويتوافق، خاصة، مع واقعيته السياسية وجذوره السلطوية من جهة أخرى.

-ولا نعرف كيف استطاع ابن خلدون أن يوفق بين كل صفات التدين والتعبد والورع والتقوى والعدالة والعلم والسذاجة (الفطرة السليمة) والبداوة... الخ التي أضفاها على الرشيد، وبين أن يكون للرشيد (مضحك) ومجالس سمر؟ حيث نقل في خضم دفاعه عن الرشيد، وسيل الصفات التي خلعها عليه، أنه"قد زجر ابن أبي مريم مضحكة في سمره حين تعرض له بمثل ذلك في الصلاة لما سمعه يقرأ (ومالي لا أعبد الذي فطرني) ، وقال والله ما أدري لم؟ فما تمالك الرشيد أن ضحك ثم التفت إليه مغضبًا، وقال: يا ابن أبي مريم في الصلاة أيضًا؟ إياك إياك والقرآن والدين ولك ما شئت بعدهما" (78) . وذلك يخالف ما أراده ابن خلدون للمؤرخين من دقة موضوعية استثنى منهما نفسه فيما يبدو فوقع فيه المتشيعون (للآراء والمذاهب) من تشويه لأحداث التاريخ، إذ أن من جملة عوامل الكذب والخطأ التي أراد ابن خلدون للمؤرخين أن يبتعدوا عنها"التشيعات للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخطأ أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها من الانتقاد والتمحيص فتقع في قبول الخبر ونقله" (79) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت