-ففي دفاعه عن العباسة يضفي ابن خلدون على العباسيين صفات مبالغًا فيها، لم يقل بها أقرب المؤرخين هوى إلى هؤلاء، فهي"بنت عبد الله بن عباس ليس بينها وبينه إلا أربعة رجال هم أشراف الدين وعظماء الملة من بعده. والعباسة بنت محمد المهدي بن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد السجاد بن علي أبي الخلفاء، ابن عبد الله ترجمان القرآن، ابن العباس عم النبي (ص) ، ابنة خليفة أخت خليفة، محفوفة بالملك العزيز والخلافة النبوية وصحبة الرسول وعمومته وإمامة الملة ونور الوحي ومهبط الملائكة من سائر جهاتها" (68) . فعلي بن عبد الله بن عباس، أولًا، ليس هو الأب المباشر للخلفاء العباسيين كما يذكر ابن خلدون في هذا النص، بل ابنه محمد، فالسفاح والمنصور هما ولدا محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. ثم أن إطلاق صفات (أشراف الدين، عظماء الملة، إمامة الملة، نور الوحي، مهبط الملائكة) دون قيد ينافي ماهو معروف عن العباسيين. فلو قال أن هؤلاء (من) عظماء الملة... الخ لكان أقرب إلى الموضوعية، وأدنى لأن لا تتطرق له شبهة التناقض مع ما أقره آنفًا من وجود (عظماء قرابة) ، ويعني بهم العلويين، غذ ذكر في حديثه عن سبب نكبة البرامكة أن هؤلاء قد"أفاضوا في رجال الشيعة وعظماء القرابة العطاء" (69) . فما دام هناك عظماء قرابة فهم أولى، فيما يتبادر إلى الذهن، بتلك الصفات، وبيتهم بناء على هذا القرب (العظيم) للرسول (ص) يغدو هو نور الوحي ومهبط الملائكة دون البيت العباسي.