وبحسب ما يقرره الدكتور محمد عابد الجابري، فإن هذا التناقض بين طبائع العمران ومثل هذه الأحداث التاريخية، يرجع إلى عدم صحة الأساس الذي استند إليه ابن خلدون في استخلاص هذه الطبائع، كما أشرنا إلى ذلك من قبل. إذ يجب، وعلى خلاف ما فعله ابن خلدون، أن تكون لدينا أخبار صحيحة لنتعرف منها على (طبائع عمران) دقيقة، لا أن نضع طبائع عمران وفقًا لمفاهيمنا، وكما فعل ابن خلدون، ثم نجعلها معيارًا للأخبار التاريخية، فنحكم بصحة هذه الأخبار حينما توافق طبائع العمران. أما إذا لم توافق هذه الطبائع فنكيفها بحسب ما نرتأي لنجعلها موافقة لها. وهذا (الخطأ) جعل ابن خلدون، وكما يذكر الجابري،"يتحايل بمختلف الطرق، وبذكاء أحيانًا، لإدراج هذه الحوادث في إطار تلك الطبائع، ولو أدى به ذلك إلى تكييفها بشكل غير مشروع. ومن ذلك مثلًا، أن العباسة أخت هارون الرشيد لا يمكن أن تأتي محظورًا في الشرع مع جعفر البرمكي" (65) . ومنه تكذيب"الأخبار التي تنسب إلى هارون الرشيد شرب الخمر.." (66) . ويرى الدكتور طه حسين أن ابن خلدون في معالجته لمثل هذه الرواية"يمزج نقده أحيانًا بسذاجة تدعو إلى الضحك فهو يكذّب مثلًا أن الخليفة هارون الرشيد كان يشرب الخمر لأنه كان جم الورع يصلي مائة ركعة في اليوم ولأنه كان يغزو عامًا ويحج عامًا" (67) .
موضوعية مغيّبة:
ومن ناحية أخرى، فإن دقة المؤرخ وموضوعيته التي أفاض ابن خلدون في الحديث عنها كما مرّ بنا، وشدد على اتباعها، ونقد من لم يلتزم بها من المؤرخين نقدًا لاذعًا، قد غابت عنه في مواضع كثيرة من حديثه عن نكبة البرامكة: