وعلاوة على ما تقدم ذكره، فإن مخالفة طبائع العمران في قضية نكبة البرامكة تتجلى أيضًا في دفاع ابن خلدون عن العباسة والرشيد. فالعباسة لا يمكن أن تقدم على فعل ما نسبه بعض المؤرخين لها مع جعفر البرمكي، بعد أن أذن لهما الرشيد"في عقد النكاح دون الخلوة حرصًا على اجتماعهما في مجلسه" (59) . ولا يمكن أن تكون قد"تحيلت عليه في التماس الخلوة به، لما شغفها من حبه حتى واقعها، زعموا في حالة سكر... لأنها قريبة عهد ببداوة العروبية وسذاجة الدين البعيدة عن عوائد الترف ومراتع الفواحش.." (60) . أما فيما يتعلق بالرشيد، فقد دافع عنه ابن خلدون دفاعًا حارًا، ونفى عنه"ما تموه به الحكاية من معاقرة.. الخمر. واقتران سكره بسكر الندمان" (61) ، لأن ما يجب"لمنصب الخلافة من الدين والعدالة و..." (62) لا يسمح له بمثل ذلك، كذلك ما نق لعن"دعائه بمكة في طوافه، وما كان عليه من العبادة والمحافظة على أوقات الصلاة وشهود الصبح لأول وقتها... كان يغزو عامًا ويحج عامًا... وأيضًا فقد كان من العلم والسذاجة بمكان لقرب عهده من سلفه المنتحلين لذلك... فكيف يليق بالرشيد أن يعاقر الخمر ويجاهر بها... فلم يكن الرجل بحيث يواقع محرمًا من أكبر الكبائر عند أهله الملة" (63) .